ثورات لم تسبقها نصوص

2011-06-20 11:23:00
لا يعيب الثورات العربية الراهنة، في الأقطار التي رزحت طويلاً تحت حكم أنظمة فساد واستبداد؛ أنها بلا أيديولوجيات أو نصوص أدبية محفّزة أو مشروعات للحكم البديل. فهي هبّات شعبية، قام عليها خليط شبابي متأثر برؤى عدة، ثم امتطت أمواجها قوى سياسية واجتماعية، صاحبة مصلحة في سقوط الحكم. واللافت أن هذه الثورات العربية اتخذت من العذابات وحدها، ومن الإحساس الفيزيائي به، إرهاصات مشجعة على كسر حواجز الخوف، أي إن كل ما نشهده الآن، انبثق عن أنّات المحرومين والمحزونين والمستلبة كراماتهم وحقوقهم. فلم تكن ثمة إرهاصات أدبية معتبرة لأية ثورة شبابية، بخلاف ما كان عليه الأمر عند أمم وشعوب أخرى.


فأدباء أميركا اللاتينية ـ مثلاً ـ كانوا سبّاقين الى الكتابة عن شخصية الدكتاتور في عالم يشبه عالمنا في مستوى تطوره الاجتماعي والسياسي. ونستذكر في هذا السياق، قدوة أولئك الأدباء، القاص الغواتيمالي ميغيل أوسترياس، الذي كتب روايته الشهيرة «السيد الرئيس» في العام 1932 علماً بأنه كان ديبلوماسياً مرموقاً وناشطاً ضد استبداد الحكم.


 ومن المفارقات، أن روايته ظلت حبيسة الأدراج لأكثر من عقد، مثلما هي حبيسة حتى الآن، في أدراج كثيرين، أو في ذاكراتهم، نصوص احتجاجية، ربما ترى النور فتميط اللثام عن حكايا وأسرار تصبح نبراساً للأجيال القادمة. فقد كانت رواية «السيد الرئيس» ملحمية ورائدة بحق، وربما أم شبيهاتها على مر السنين (ومن بين تلك الشبيهات رواية حافظ البرغوثي «سعيد الأول والواحد والعشرون») التي تتقصى سمات الدكتاتور، مثلما تقصاها أوسترياس قبل نحو ثمانين سنة: مجنون مستبد، مفعم بنزعة الطغيان.


شهواني كريه، متلذذ بالسلطة، ويهجس بحسابات البقاء فيها. يقتل خصومه بالسهولة نفسها التي يتناول بها إفطار الصباح، وُيصدر قراراته بالهمس والرقة اللتين يخاطب بهما النساء. يحوّل الوطن الى جحيم دون أن يُبالي، فيختار معاونيه من المسخ البشري المشوّه، ومن المرتشين والمتربحين مضروبي الذمم، وعديمي المواهب والمناقب.

كان أدباء الأمم، يقدمون لمجتمعاتهم ـ فضلاً عن الإرهاصات الأدبية التنويرية ـ صوراً بلاغية لوضعية الاستبداد، في قالب من الشفافية والسخرية وتوظيف الفولكلور المحلي، مع فيض من الإسقاطات واللقطات الذكية، كأن يصف أوسترياس المحاكمات الصورية قائلاً: من الأفضل لك تكون مذنباً أمام هذه المحاكم وغير ذي صفة عند الحاكم، وأن لا تكون بريئاً ذا صفة، ومغضوباً عليه.

 

 

فما يغيظ المستبدين أكثر، هو عناصر البراءة في ملفات المتهمين، لا عناصر الإدانة في قضاياهم. ففي رواية «السيد الرئيس» التي يتوافر على قراءتها كاملة، كل من يكمل الصفحة الأولى منها؛ تزاحمت المشاهد الغنية القادرة على أن تنقل قارئها الى عالمها هي، وربما كان ذلك هو السبب في حصول الكاتب عن الرواية، على «نوبل» للآداب في العام 1967 إذ كان العمل ذا صدق فني، استطاع الكاتب من خلاله، نقل قارئه الى العالم الذي هو فيه، فيجعله يحس برطوبة السجن وبالطعم الكريه للخبز، الذي يرمي به السجانون الى الجوعى في الزنزانات. وأظن أن الكاتب الراحل عبد الرحمن منيف استلهم من تلك الرواية اللاتينية، بعض الفصول العميقة في «الآن هنا، أو شرق المتوسط مرة أخرى»!

* * *

ثوراتنا العربية، لم تتكىء الى أية نصوص سابقة على الانفجار الاجتماعي. وحتى القوى التي امتطت موجات الغضب الشعبي، فلم تكن ذات تنظيرات أو رؤى أو طروحات جديرة بالاحترام، تعمق أو تكرّس معنى المواطنة، ومعنى الأخوة في الوطن، وقيم التسامح الاجتماعي والثقافي، والتعددية. ولعل هذا هو ما ساعد على تنامي مشاعر الخوف والتوجس، في أوساط شعبية مظلومة وصاحبة مصلحة في التغيير. وبسبب الغموض، وأفاعيل القوى، المضادة، والانفلات وامتطاء الموجة، ازداد الخائفون من مآلات هذه الثورات، إن كان على مستوى علاقات الأنظمة الجديدة المنتظر ولادتها، بمراكز الهيمنة الدولية وأقطار الاستعمار القديم، أو على مستوى التوقعات المتعلقة بالاستقرار وغلبة الاتجاهات الدينية، أو في سياق إشارات مسببة لذعر الأقليات، وغير ذلك مما يجانب الديمقراطية!

لا يختلف اثنان، على أن «السيد الرئيس» وأفراد حاشيته المتنفذين في النظام المستبد، هم إخوان الشياطين. لكن الجماهير التي افتقدت للنصوص وللقوى الديمقراطية المؤثرة والحاضرة، أحست بآلام العذاب فانفجرت مسكونة بوعي فطري لحاجاتها القريبة، أي الحاجة الى الحرية والخبز والكرامة والمساواة وصون المقدرات من النهب والفساد.

لم تسبق ثوارت الشعوب العربية، أية أعمال أدبية مهمة، ولم يكن هناك سياق متناغم، للوعي، يساعد هذه الثورات، على اكتساب ملامح مشاريع متكاملة للحكم، يتوافق عليها الثائرون. فهي ثورات لم تسبقها نصوص خالدة!