التحرش الجنسي.. "كائن" غريب في غزة المحافظة
تحرش بالكلام واللمس
"هناء" خريجة جامعية في الثالثة والعشرين من عمرها، تنظر للتحرش الجنسي على أنه محاولة اعتداء من قبل ذكر على أنثى إما بالكلام أو اللمس، وترى من واقع تجربتها الشخصية ومن واقع تطوعها في أحد المراكز الحقوقية ضمن مشاريع تخص المرأة أن الظاهرة زادت في غزة في الفترة الأخيرة بشكل نسبي.
وتعتقد هناء أن الفئات العمرية التي تمارس التحرش ضد الإناث تتراوح ما بين عمر 18 إلى 28 عامًا، وأحياناً في مراحل عمرية متقدمة عن ذلك، سواء كان المعتدي متزوجًا أو غير متزوج، لافتةً إلى أن الجامعات ومحيطها هي أكثر المناطق التي تكثر فيها حالات التحرش نظرًا لأنها مناطق مزدحمة تجمع الجنسين معًا.
وتتصور هناء أنه ما من فتاة إلا وتعرضت للتحرش، بدرجاتٍ متفاوتة، قائلةً: "في السيارة حيث أنتقل من شمال غزة إلى وسطها، لم يخل الأمر أبدًا من مضايقات الركاب والسائقين، فمنهم من يلقي ورقة برقم هاتفه، ومنهم من يحاول مسك يدي إذا ما أعطيته الأجرة، ومنهم من يضيق علي في جلستي".
وتواصل:" حتى وإن جلست في المقدمة بجوار السائق لأترك الكرسي الخلفي للذكور، فإن التساؤلات تكثر، ويعتقد السائق أني سأدخل معه في حوار لطيف فلا يتوقف عن الأسئلة التي اعتدت أن أتجاهلها وأصمت، كذلك تعليقات الطلاب عند وصولي إلى منطقة الجامعات".
وقد تضطر هناء التي تلتزم بلبس الجلباب الشرعي، ولم يسبق أن وضعت مساحيق التجميل على وجهها، إلى النزول من السيارة، أو أن تمشي في منتصف الشارع بجوار السيارات، لتتجنب التصادم مع أي فرد قد يضايقها على الرصيف.
وتوضح هناء أن المجتمع الفلسطيني المحافظ لا يتفهم محاولات المرأة للدفاع عن نفسها، ويفضل أن تلتزم الصمت، إذ إن لم يتهمها المجتمع بأنها السبب فإنه لا يمنحها الثقة والآذان الصاغية ليسمعها، ويتعاطف معها، ويتفهم الضيق النفسي الذي يعصف بها على إثر كل محاولة اعتداء، وحتى إن شكت لأحد فغالبًا ما لا تجد غير الصديقات والزميلات التي لا تضمن أن يشهرن بها ويجيّرن القصص ضدها.
وتتحدث هناء عن إحدى زميلاتها التي تعرضت للتحرش الفاحش باللمس والكلام من قبل زوج أختها، بينما كان يدرسها مادة الحاسوب، لكنها لم تجرؤ على إخبار أهلها خوفًا من ضربها وحرمانها من دراستها الجامعية، أو حتى التسبب في طلاق أختها.
وتتساءل هناء عن المكان الذي يفترض بالإناث الذهاب إليه في ظل وجود بعض النماذج الذكورية التي لا أخلاق لها في كل مكان، مبينة أن كثرة القيود الاجتماعية، والشعور بالحرمان، وغياب الحريات الشخصية، في ظل تكنولوجيا تعرض كل شيء دون تحفظ، هي أكبر دوافع التحرش.
ميادة طالبة جامعية
غياب المساندة الأسرية
أما "ميادة" وهي طالبة جامعية في السنة الدراسية الأولى في جامعة مختلطة في غزة، فتعتقد أن الضغوط الاجتماعية والنفسية بفعل غياب أماكن الترفيه، وتأخر سن الزواج نتيجة ارتفاع تكاليفه، وإغلاق المعابر بفعل الحصار هي أسباب التحرش، بالإضافة لعدم إعطاء المجتمع والقانون فرصة حقيقية للفتاة للدفاع عن النفس، ومعاقبة الجاني.
وتوافق ميادة هناء على مفهومها للتحرش الجنسي، لكنها تضيف إلى أساليبه فرعًا إضافيًا يتمثل في "النظرات" التي لا يكف الجميع عن مضايقتها بها، في الجامعة وخارجها، وفي السيارة وفي محيط البيت وفي كل مكان، لدرجة تشعرها بالإحراج والخجل الشديد.
وتسرد ميادة موقفاً فوجئت به، إذ بينما كانت في إحدى المحاضرات التدريبية، قام زميلها الذي في جوارها بمحاولة للمس جسدها، فما كان منها إلا أن غادرت المكان على الفور، ولم تنبس بكلمة واحدة، ولما أخبرت والدتها ردت عليها بمثل شعبي يقول "لولا العيب مني ما حد بيكلمني"، بمعنى الوالدة حملت ابنتها مسؤولية تشجيع زميلها على ما فعل.
وتُشعر ردود الوالدة هذه ميادة بإحباط إضافي، جنبًا إلى جنب مع شعورها بأنها "لا شيء" في مجتمع ذكوري بحت، يقابل شكوى المرأة باتهامها، أو تهويل الحدث الذي يتكرر بطرق مختلفة كل يوم تقريبًا، وليس أدل على ذلك من معاكسات الطلبة.
وحسب ميادة، فلا تخلو أماكن العمل الخاصة والعامة تماماً من التحرش بالمرأة؛ فقد حدثتها صديقة لها عن ضيفٍ زار مديرها في العمل، ولما دخلت الغرفة لتسأل المدير عن شيء ما، فاجأها الضيف بنظرة وصلت بها إلى حد الشعور بالعري.
وتوضح ميادة أن تكرار التحرش بالفتيات صديقاتها يوصلهن لدرجة كراهية الجنس الآخر وعدم تقبله وعدم احترامه، منوهةً إلى غياب الوعي به وبخطورته خاصة بين غير المتعلمات الأمر الذي يشكل "كارثة وعيب".
وحول اتهام المرأة بأنها تلعب دورًا في التأثير على الرجل سلبًا من خلال مظهرها، ردت ميادة: "في غزة تضطر المرأة الجميلة للبس النقاب، وأنا ألتزم باللباس الشرعي ومع ذلك أتعرض للتحرش، لقد أنقذني الله في إحدى المرات من سائق ركبت في سيارته بينما كنت عائدة إلى البيت، فأغلق الأبواب والشبابيك".
وتكمل: "ثم طلب مني أن أرافقه إلى أي مكان ليتحدث ويتسامر معي، ولولا أن هددته بكسر الشباك، ولولا وجود الأمن في الشارع لذهبت إلى الجحيم، ولما صدق أحد أني كنت ضحية ظاهرة تنمو شيئًا فشيئًا ولا يعتني أحد بإيجاد حلول لها".
لكن "أسامة" الذي يعمل سكرتيرًا في جامعة غير مختلطة في غزة، وهو في الثامنة والعشرين من العمر، فلا يوافق ميادة على إلقاءها اللوم كله على الرجل، مؤكدًا أن مظهر المرأة يلعب دورًا أساسيًا في تدمير الوازع الديني والأخلاقي عند الذكور، "أفلا تكفيهم الفضائيات".
اسامة لم يسلم من التحرش
الذكور يتعرضون للتحرش
وينوه أسامة إلى تعرضه مراراً للتحرش من الفتيات سواء داخل الجامعة أم خارجها، ومن ذلك إحدى الطالبات التي عرضت عليه قبل سنوات نفسها كحلوان لتخرجها، مع أنها كانت متزوجة وأم، وغيرها كثيرات لم يعجزن عن تحويل الزي الشرعي لزي مثير للغرائز البشرية.
وعن انتشار التحرش، يقول أسامة: "التحرش موجود ويزداد شيئًا فشيئًا، والله إني أمشي مع زوجتي فأرى الشاب ينظر إليها دون خجل، وأستحي أنا ولا يستحي الفاعل، وأفاجأ بالبائع يعطي المرأة البضاعة بسعر زهيد ويعطيني إياها بأضعاف أضعافها، والسائق لا يمل من تحريك المرآة لتفحص النساء في الخلف، والأمثلة كثيرة".
ويتصور أسامة أن فئة الطالبات والموظفات خاصة في القطاع الخاص هي الفئة الأكثر عرضة للتحرش، لافتًا إلى مقابلات العمل التي توجه خلالها أسئلة لا علاقة لها بالوظيفة، كأن تسأل الخريجة الجامعية مثلاً عن ردة فعلها لو طلب زميلها قبلة.
ويواصل أسامة بأنه حتى بعد الوظيفة قد يطلب المدير من الموظفة التأخر بدون داعي، كزوجة أحد أصدقائه التي طلب المدير منها أن "تأتي لتدفئ يديها معه على الشمعة بينما الكهرباء مقطوعة"، ونصحها أسامة بعدم إبلاغ زوجها الذي يغار لئلا يطلقها.
ويظن أسامة أن الظاهرة قديمة في المجتمع الفلسطيني بل في المجتمع الإنساني عمومًا، لكنها تطورت في الآونة الأخيرة، فحتى طلاب الابتدائية والإعدادية والثانوية لا يكفون عن التحرش بشتى أشكاله، وقد يصل الأمر إلى كتابة رسائل غرامية جبارة لطالبة في مدرسة إناث مجاورة.
أما عن تحرش الأساتذة الجامعيين والموظفين بالطالبات فلا يستبعد أسامة ذلك على الإطلاق، وقد عرف ببعض مجالس التحقيق مع أساتذة وجهت إليهم اتهامات بهذا الخصوص، وضبطت رسائلهم الغرامية في هواتف الطالبات المحمولة.
للفتاة تقدير الموقف
ولا يستغرب أسامة من إلقاء اللوم على النساء، وعدم الاستماع إليهن، ذلك "أنهن الطرف الأضعف في المجتمع، وأن الأهالي من كبار السن لا علم لهم ولا وعي بمثل هذا الظاهرة، فقد اعتادوا على مجتمع محتشم".
وينصح أسامة الفتيات بعدم الاحتكاك بالمتحرش أو الرد عليه إلا من خلال الأهل أو كبار السن أو المسئولين في المكان، لأن الرد، وفق رأيه، سيفتح مجالاً ليواصل المتحرش "قلة أدبه"، معتبرًا ذلك أنسب لحشمة المرأة وحياءها.
أما أستاذ علم النفس في جامعة الأقصى الدكتور درداح الشاعر فينصحهن بألا يعرضن أنفسهن كمثير جنسي فيكن مدخلاً للشيطان، وأن يحتفظن بزي وسلوك ومشية محتشمة لئلا يطمع الذي في قلبه مرض، إضافة إلى تقدير الضرورة بقدرها والرد وفق ما يستدعي الموقف، كأن يطلبن المساعدة القانونية أو العائلية في حالة المبالغة في التحرش بهن، أو الصمت على نظرة أو كلمة عابرة.
ويعتبر الشاعر أن التحرش الجنسي هو كل سلوك من شأنه أن يفضي إلى إثارة جنسية بين رجل وامرأة، سواء كان بالكلام أو اللمس أو النظر أو حتى اللباس، مجملاً الأسباب خلف نقص إيمان الإنسان وأخلاقه، ووازعه، وطهارته، ومخافته الله، وخوفه على محارمه.
وينوه الشاعر إلى أن النساء قد يمارسن التحرش كما الذكور، وذلك يحدث دومًا عندما يخرجن بصورة مثيرة للرجل؛ فيلبسن الضيق أو العاري أو يضعن المساحيق، وهو ما أثبتته الدراسات التي أوضحت بدورها أن وجود نساء بعقليات متفتحة تقبل الحوار والنقاش مع الرجل، في مجتمعات محافظة تعني بالضرورة فهمهن بصورة خاطئة.
ويفسر الشاعر قيام النساء بالتحرش عن عمد وبشكل مقصود باعتقادهن بأنهن لن يحصلن على شريك الحياة، في ظل ازدياد أعدادهن عن أعداد الذكور في المجتمع الفلسطيني، منوهًا إلى أن المساءلة على تحرش الأساتذة الجامعيين، والطلاب بالطالبات قد تسبب لهم اضطرابات كبيرة في العمل والحياة، تصل إلى فقدان كل شيء في لحظات.
ومن منطلق نفسي، فإن الشاعر يبين أن الرجل الذي يعتاد على التحرش الجنسي ببعض الفتيات الساقطات أخلاقيًا يعتقد مع مرور الوقت أن الجميع مثل اللواتي صادفهن، فيسحب ما جرى معه على البقية، ودون أي اعتبار.
وبخصوص الدور الذي يلعبه الفصل بين الطلاب والطالبات في الجامعات غير المختلطة فيتصور الشاعر أن لذلك دور إيجابي في الحد من التحرش الجنسي، وإضفاء الجاذبية على المرأة، بعكس ما يخلفه الاحتكاك الدائم من فتور وابتذال لعلاقة الجنسين.
ويشدد الشاعر على أن المجتمع الفلسطيني، والمجتمع العربي عامةً بات بحاجة إلى حملة توعوية متكاملة يقودها التربويون والإعلاميون وحتى الأجهزة الأمنية، مع وضع قوانين رادعة لمعاقبة عديمي الأخلاق والإيمان والثقة بالنفس.
وهكذا تبقى الأمور على ما هي عليه، لكن البدء الفردي من كل شخص يشعر بالمسئولية قد يشكل في مجمله عملاً شبكيًا متكاملاً، يقضي على التحرش الجنسي الذي يسلب مع مرور الوقت ثقة الفرد في أمان مجتمعه.
نقلا عن صفد برس