في حضرة الرئيس عباس

2011-06-30 08:22:00
الرئيس عباس مثل كل الرؤساء، حينما تراه عن بعد سواء عبر شاشات التلفزة أو فى المؤتمرات الصحفية التى كثيراً ما شاركت فيها ، بيد أنه حين تتاح لك فرصة لتجلس فى رحاب محمود عباس الأب، والانسان تكتشف أنك أمام شخص تظلمه طلاته المتلفزة أو مؤتمراته الحاشدة بالتساؤلات.

أن تجلس أمام شخصية هامة، يعني أن يفتح لك صندوقاً من الأسرار ، تبحث فيه عن ما غاب عنك زمن وفيك إلحاح الباحث عن المفقود او المغيّب ، ولطالما حدث لك وجلست مع هذه الشخصية ، فكل حواسك ترصد فيه وتصغ له ، وترغب في أن الوقت لا ينتهي لكي تنهل منه ما يسكت جوعك المعرفي أو تشعر أنك غير كثير من البشر ، أصبحت جليس هذه الشخصية الهامة ، فما بالك لو كانت هذه الشخصية رئيس دولة .

في أنقرة حيث تطل على جماليات كونية ، ببهاء غير مغشوش ، استضافنا الرئيس الفلسطيني محمود عباس ، الاستضافة تشبه مكرمة أبوية نادرة الحدوث ، ولأنه الرئيس والشخصية الفلسطينية الأولى ، كان لابد من التحضير والترتيب وتجهيز اللغة وانتقاء العبارة ، هذا ما حسبته قبل اللقاء بدقائق ، ورحت أبحث في ثقافتي أفضلها وفي مهنتي كصحفية أبدعها ، لأكون على قدر الجليس السامي ، ولكن مع مرور الدقائق الاولى للجلسة ، كسر الرئيس محمود عباس ، ذاك الخوف الذي قيدني وضبطني بالرسمي ، وأخرجتني ومن معي عفويته الغير مصطنعة ، وأبويته المتروكة على جدار صوته والمبعوثة من حنجرته لسامعيه ، كل ما تم تقديره ، فراح بنا بكل أريحية الى مواضيع هامة ، ونقلنا بكل صدق من موضوع الى موضوع ، أبدع خلال سرده ببساطته و لياقته اللغوية ، وسماحة منطقه ، حتى أدخلنا بتخوفاته الشخصية على القضية الفلسطينية ، من جوانب الحرص المعبرّ عنها والغير مقدرة النطق من قبله ، فشعرنا بانتمائه اللامحدود لهموم شعبه ، ومن فرط شفافيته اصطدت كصحفية ، الكثير من تقديراته الرئاسية ، لمجمل القضايا ، فأي شك سابق حول اهتمامه وجديته بالمصالحة الوطنية ، قد نُسف وبات اليقين محله العقل والقلب ، بأن الرئيس أشد من سواه بل هو أكثر فلسطيني حريص على المصالحة مع حماس وتوحيد الصف الوطني ، وهذا الاصطياد لم يحتج مني الكثير من الفهم ، بل والدتي التي تقوم بزيارتي حالياً والتي تصادف وجودها بالتزامن مع الزيارة، أصرت على حضور هذا اللقاء خرجت بذات الانطباع الذي خرجت به ، وهو تمسك الرئيس عباس الغير محدود بالمصالحة .

ولأن الوقت أكثر قسوة علينا بجلسة واسعة الثراء ، كان لابد أن نصغي للرئيس وهو يحدثنا عن حق الشعب الفلسطيني بإعلان دولته ، وتلك الخطوات الوطنية المكللة باالنجاح التي حققتها الدبلوماسية الفلسطينية تحت إشرافه وبأمره ، في سبيل تجهيز القدرة الكافية والتسلح بها حال وصلنا الى أيلول/ سبتمبر ، وحدثنا بكل وضوح عن الموقف الأمريكي والاسرائيلي ، ودرجة خوفهم من هذه الخطوة التاريخية ، ودرجة الضغط الممارس عليه وعلى القيادة الفلسطينية ، من أجل التراجع عنها ، ولكن إصراره العالي بالذهاب الى استحقاق الاعتراف بالدولة الفلسطينية ، كان أقوى من أي عقبات قد تصادفه في الأمم المتحدة ، ولم ينس أن يوصي الجالية الفلسطينية من خلال الحاضرين جلسته الى الاستعداد الوطني لهذا الاستحقاق ، وخوض خيار الاعلان عن الدولة .

وأما عن العلاقات الداخلية الوطنية فلم يتمترس الرئيس عباس خلف حجب ، ولم يدخل لغته حبر الضباب لكي لا نقف موقف المؤّلين ، بل العكس والغير متوقع لمسناه تماماً ، وتحدث بحس عالٍ عن همه الكبير بضرورة التغلب على جميع الخلافات مهما كانت مصادرها وجهاتها وشخصياتها ، ضرورة مطلوبة لتمتين الموقف الفلسطيني ، وتوحيده ، والسير به نحو مواجهة الاحتلال ، الذي يستثمر كل خلاف فلسطيني - فلسطيني ، لكي يروج دولياً صورة مشوهة عن القيادة والشعب الفلسطيني ، بل يتخذ هذه الخلافات كغطاء له ، لغير فيه الديمغرافيا والجغرافيا الوطنية ، وينفخ عبر وسائل إعلامه بكل صغيرة ، ليشحن الوضع الداخلي بسمومه ويعكر كل مبادرة لتوحيد الصف الوطني ، والمطلوب من الجميع ، حسب الرئيس عباس ، أخذ الواقع الراهن كحالة استثنائية في حياة شعبنا يجب تجاوزها ومعالجة آثارها ، وتسليم الأمانة للإجيال القادمة من غير غصة ولا عقد يصرفون من بعدنا الكثير من أوقاتهم في حل خلافات لم يكن لهم في يد .

أن تكون جليس رئيساً يعني أن تكون مع صانع القرار الأول في حياة شعب هذا الرئيس ، ولأن كلامه معلوماتي بالدرجة الأولى ، إلا أنه يبقى إنسان في المشاعر والعواطف والأحلام والتطلعات والمخاوف والعزيمة ، وفوق كل هذا الأب الذي يضع أبناء شعبه كلهم في قلبه الكبير ، ليبحر بهم في عاصفات عاتية ، وفي زمن هائج ، شطآنه غير آمنة ، لم ينس الرئيس عباس أن يذّرنا بالشهداء والتضحيات الكبيرة ، ولا بالأسرى ورغبته المطلقة بل وإصراره على ضرورة حل قضيتهم في أي وضع ستؤول إليه الوقائع .

وأن تغادر رئيساً بعد أن أصبح زادك ثمين المحتوى ، عليك أن تذكر فيما بعد كل تفصيل ما حدث ، وأن يكون عقلك بإنشغال ولو مؤقت لكي توصل الأمانة إلى أهلها ، وتقول أو تكتب ما لمست ووجدت من جليسك الرئاسي ، عال المقام ، وحمّال الآمال ، بعد هموم ثقال .

شكراً للرئيس محمود عباس الذي فتح لنا قلبه، بعفوية مطلقة ، لندخله قبل أن يُخرج منه بعض حبِّه لفلسطين