ليس دفاعا عن سلام فياض

2011-07-03 13:49:00

من العبث أن يستمر التعاطي مع رئيس الوزراء الدكتور سلام فياض بطريقة محمومة ولئيمة، لتحويله إلى شخص مثير للشفقة بدل كونه رجلا مثيرا للإعجاب، حقق على أرض الواقع إنجازات لا تقل إثارة للدهشة والإعجاب عن الرجل الذي دفع باتجاه تحقيقها.
إن التعاطي مع الرجل على أرضية تصفية حسابات فصائلية ضالة وغير حكيمة؛ إنما يعكس نفس العمى الذي تمارسه هذه الفصائل تجاه قضايا أكبر، من قبيل استمرار الانقسام وتشرذم الساحة الوطنية وتعطيل مؤسسات العمل الوطني، والتي كانت اختبارا قاسيا رسبت فيه عن استحقاق كل فصائل العمل السياسي الفلسطيني طوال الفترة ما بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة.
فمن غير المنصف تحميل الدكتور سلام فياض تبعات ما أفرزه السقوط الفصائلي في فخ الانقسام، الذي نصبته لها انحيازاتها المفرطة نحو الفئوية والاستقواء، وابتعادها عن العقلانية، ما أحال الفصائل المختلفة إلى قبائل متناحرة، تحكمها أخلاقيات الإغارة والثارات الغاشمة والتناحرات المسلحة، التي مزقت ليست قطعتي الوطن الجغرافية وحسب، إنما امتدت لتمزق الهوية الوطنية نفسها ، ما أبقانا طوال المرحلة السابقة مكشوفين أمام احتلال متربص ويقظ؛ عزا إلى صراعاتنا الغبية كل العقبات التي وضعها بنفسه لعرقلة أي تقدم في المسار السياسي ، ومكنه تحت حجة غياب الشريك الفلسطيني من إدارة ظهره لكل التزاماته السابقة، وأطلق يده تعبث وتحت أعيننا بمستقبلنا كله .
فكيف يمكن لفصائل أشاحت بوجهها طوال الفترة الماضية عن المصالح العليا للشعب الفلسطيني، وارتكبت كل أنواع الضلالات بحقه تحت حجج واهية وزائفة، أن تتنصل مما ارتكبته من حماقات، وأفعال ربما ترتقي لمستوى الجريمة المنظمة ، وأن تقف اليوم لتضع الموازين بالقسط، فتوزع صكوك الغفران أو فتاوى الحرمان على أبناء الشعب الفلسطيني، بغض النظر عن رتبهم ومواقعهم أو انتماءاتهم الحزبية، رغم أن استقامة المصالحة كان يقتضي من هذه الفصائل تقديم الاعتذار للشعب الفلسطيني عما سلف، كمقدمة معقولة لطمأنة الشعب الذي ما زال يتلقى رسائل غير مبشرة مما يرشح من أخبار المفاوضات الفصائلية حول اقتسام الكعكة! إن محاولة البعض الدفع ببعض الشخوص أو الفئات إلى الزاوية المكشوفة، وتسليط الضوء عليها لتحميلها أوزار مرحلة؛ معروفة الجهات التي يجب أن تتحمل بشجاعة كل قذاراتها، إذا أريد للمصالحة الوطنية أن تتم وفق اعتبارات وطنية، لا جهوية تحمل نفس البذور التي أسست لحصاد ما بعد مكة، الحصاد الذي اكتوت به أيدي الفلسطينيين كلهم ولكن بدرجات متفاوتة، ولم يكن لسلام فياض فيه أي دخل أصلا.إن هذا لا يعني أن سلام فياض نسمة ملائكية هبت على ربوع وطننا، فعطرته باليمن والخير والبركات، وأن تجربته خلال الثلاث سنوات الأخيرة كانت فيضا من الانتعاش الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وان تجربته السياسية خلت من أي عيوب أو أخطاء، فكل واحد من أبناء الشعب الفلسطيني بمن فيهم كاتب المقال يستطيع الادعاء أن له ثأرا مع سلام فياض، وأن يدعي أن حقوقه تعرضت لانتهاك غاشم على يديه، لكن هناك فرقا بين أن نرصد بموضوعية ما له وما عليه، وبين أن نعد عليه أنفاسه، بحيث تتحول كل تنهيدة من تنهداته إلى استنزاف غير مبرر للأكسجين، وكل زفرة من زفراته إلى إضرار بالبيئة، وبحيث يتم تحويل حتى تلك النقاط التي لصالحه إلى نقاط ضده، مثل أنه شخص مقبول لدى الغرب، وكأن الحصافة والذكاء والانتماء الوطني تفترض أن نذهب في سبتمبر إلى الأمم المتحدة، برئيس وزراء مطلوب لمحكمة الجنايات الدولية للحصول على اعتراف أممي بحقنا في الدولة المستقلة!! إن استمرار الالتزام نحو تغليب المصالح الفئوية، يؤشر بوضوح إلى أن ما يدفع الأطراف المحلية المؤثرة على مسار الأحداث في فلسطين للتوجه نحو مربع المصالحة؛ هو عمل آليات الدفاع الغريزية التي استفزتها الأحداث الإقليمية المشتغلة في الإقليم العربي المحيط بنا، وليست النوايا المخلصة والعاقلة، وإلا فما معنى انجراف بعض الرموز في هذه الفصائل إلى المسارعة في كل مناسبة وحيث يتاح؛ إلى نعي هذه المصالحة وإحالة أوراقها إلى المفتي مشيعة بكل مفردات المرحلة السابقة من شتائم واتهامات وتطاول. إن التأسيس لمصالحة وطنية حقيقية، لا يمكن أن يتم على خلفية تسديد الحساب، والأخذ بالثأر، واستخدام الفيتو الاعتباطي وفقا لاعتبارات فئوية ضيقة، أو بتأثير عناصر حزبية نافذة يتم استرضاؤها بتفجير الحالة الوطنية، منعا لتشظي الموقف الداخلي لبعض الفصائل التي تعج بالقيادات النافذة فيها، وذات المصالح المرتبطة ببقاء الوضع الوطني على ما هو عليه.ولا يمكن للمصالحة أن تتم وتستقيم طالما أن فصائل العمل السياسي الفلسطيني المؤثرة تتعاطى معها على أرضية المحاصصة، وعلى اعتبار أنها فرصة أخرى لاستعراض العضلات وتحقيق انتصارات وهمية جديدة، واعتبارها منصة انطلاق يتم تحضيرها للقفزة التالية على صعيد التناحر الفصائلي، لا باعتبارها إنجازا وطنيا يخلف وراءه مرارة الانقسام، ويمهد لخطوة لها ما بعدها.إن استبدال رئيس الوزراء الحالي برئيس وزراء يحقق إجماعا وطنيا ليس أمرا محظورا، ولكن التضحية بسلام فياض على مذبح المصالحة الوطنية بالاستناد إلى الادعاءات الباطلة التي يسوقها البعض بحقه، سيعزز الشكوك نحو هذه المصالحة، وسيثير الكثير من التساؤلات حول الهدف من شطب مرحلة بأكملها من العمل الفلسطيني الجاد، ومن قتل الرجل سياسيا رغم أنه بذل الكثير من الجهود الطيبة، وترك بصمات واضحة على الصعيد الوطني، تقتضي توسيمه لا إخراجه مجللا بالعار