نحو خريف ساخن

2011-07-07 11:01:00
لم تجد إسرائيل ما يبرر تصعيدها العسكري المفاجئ، أول من أمس، على قطاع غزة، حيث بادرت إلى قصف أدى إلى استشهاد مناضلين فلسطينيين اثنين، وجرح ثالث.

قبل العدوان الإسرائيلي، لم تقع أية عملية عسكرية فلسطينية، ولم تبادر أي من فصائل المقاومة إلى إطلاق صواريخ، والجبهة بين قطاع غزة وإسرائيل هادئة تماماً، والفصائل جميعها ملتزمة بتلك التهدئة، ما يعني أن إسرائيل لم تعد تنتظر ذرائع تصعيد عدوانها متعدد الأشكال والأساليب على الشعب الفلسطيني.

العملية الإسرائيلية الإجرامية، لا تبدو أنها موضعية ومعزولة، فهي تتم في ظل مناخات من التوتر المتصاعد على أكثر من جبهة بين الفلسطينيين وإسرائيل، ولذلك فإنها تعد مؤشراً نحو إمكانية تصعيد العدوان العسكري الإسرائيلي خلال الأسابيع المقبلة.

فعلى الصعيد السياسي، تواجه إسرائيل تحديات كبيرة، فالفلسطينيون عازمون، رغم التهديدات، ورغم الضغوط المتزايدة عليهم، على متابعة سيرهم نحو الأمم المتحدة في أيلول القادم، فيما تواجه إسرائيل أيضاً انتقادات، أو ملاحظات من قبل العديد من أطراف المجتمع الدولي، بما في ذلك حلفاؤها، لفتح طريق المفاوضات المغلقة، والتي تتحمل إسرائيل المسؤولية عن تعطلها وإغلاقها.

إسرائيل وظفت كل إمكانياتها وتحالفاتها، واستعدادات الولايات المتحدة للقتال إلى جانبها، لمنع توجه الفلسطينيين إلى الأمم المتحدة، وللتأثير في مواقف العديد من الدول المترددة والمستعدة للاعتراف بدولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967، ومنحها مقعداً دائم العضوية في المنظمة الدولية، لكنها مع ذلك لم تفلح، لا في إقناع وإرغام الفلسطينيين على التخلي عن عزمهم، ولا في التقليل من شأن وخطورة هذا التوجه.

هذه الحملة المستمرة منذ أسابيع، تتكامل مع السياسة العدوانية المتبعة، التي تأخذ طابعاً روتينياً، من مصادرة الأراضي، وتكثيف الاستيطان وتهويد القدس، ومواصلة الاعتقالات والضغط على الأسرى الفلسطينيين، ولكن يبدو أن كل ذلك لم يفت من عضد الفلسطينيين أو ثنيهم عن عزمهم، الذي يبدو أنه خيار لا محيد عنه في ظل دوران المفاوضات في حلقة مفرغة.


وحتى الآن، عجزت الرباعية الدولية حتى عن عقد اجتماع، ذلك أنها تقف مشلولة أمام التراجع الأميركي، والتعنت الإسرائيلي، والصمود الفلسطيني، ولم يعد أمامها سوى الغياب والصمت حتى لا تقع في محاذير أو تناقضات تطيح بدورها.

وعلى جبهة أخرى، لم تخجل إسرائيل من أن تعبّر عن رفضها وقلقها الشديد من توقيع المصالحة الفلسطينية، وهي تعرف أكثر من غيرها، أن الطرفين، "فتح" و"حماس"، جادّان في تنفيذ التزاماتها إزاء إنجاح المصالحة، رغم التأخير والتباطؤ الحاصل على هذه الجبهة. ومنذ اليوم الأول لتوقيع وثيقة المصالحة كان واضحاً أن إسرائيل ستفعل، ويمكن أن تفعل كل ما يخطر ولا يخطر على بال أحد لمنع تحقيق هذه المصالحة، ما يؤكد أنها صاحبة مصلحة أساسية وجوهرية في استمرار الانقسام الذي يمدها بالكثير من الذرائع للتهرب من التزامها إزاء عملية السلام، ولتبرير عدوانها المستمر على الكل الفلسطيني.

 

في هذا الإطار، لا أعتقد أن إسرائيل مرتاحة إزاء ما يقال عن مساعٍ تركية، وغير تركية، لإقناع حركة "حماس" بإبداء المزيد من المرونة السياسية، وإدماجها في عملية السلام. ولذلك فإنها ترغب في استثارة واستفزاز الحركة لإبقائها في مربع برنامج المقاومة بالمفهوم المصري، الذي يعني العمل العسكري.

لكن تأخر التدخل الإسرائيلي لقطع الطريق على محاولات تركيا إزاء إدماج "حماس" في العملية السياسية، إنما يفضح التكتيك الإسرائيلي الذي يترك الفرصة لفشل المساعي التركية، ما سيعزز العدوان الإسرائيلي بدعوى ملاحقة الإرهاب الحمساوي كما يحلو لإسرائيل أن تسميه.


والحال أن معركة ثالثة مفتوحة على إسرائيل يشترك فيها المجتمع الدولي، وهي التي تتعلق بأسطول الحرية (2)، الذي وظفت إسرائيل كل إمكانياتها لتعطيل انطلاقه نحو غزة، لكن نجاحها الجزئي لن يمنع بعض هذه السفن من الإبحار في محاولة للوصول إلى شواطئ غزة، ولن يمنع بعض المتضامنين من الوصول، بما في ذلك من خلال مطار بن غوريون.

التصعيد الإسرائيلي الذي وقع على غزة يوم الثلاثاء الماضي، ينطوي على رسالة تهديدية واضحة لهؤلاء المتضامنين الذين عليهم أن يتحسبوا لما سيواجههم في عرض البحر، ولخلق مناخ تخويفي من أن قطاع غزة لا يشهد استقراراً يشجع المتضامنين للوصول إليه والبقاء فيه.


وفي اعتقادنا، فإن مرور المزيد من الوقت والاقتراب أكثر من شهر أيلول، سيعني تصعيداً إسرائيلياً نوعياً، والانتقال بالتهديدات من الجانب الإعلامي إلى البعد العملي على الأرض، لتصوير السياسات الفلسطينية على أنها تندرج في إطار المواجهات الخطيرة على الاحتلال وأمنه، ولجذب الأنظار بعيداً عن ساحة الفعل الدبلوماسي والسياسي التي يتجه نحوها الفلسطينيون بقوة وإرادة صلبة.