درس مصر البليغ والقاسي

2011-07-23 10:22:00
راية نيوز: لا يزال هناك في مصر من يعتقد أن الشعب المصري قد أسقط الرئيس حسني مبارك وبطانته للحكم ولكنه لم يُسقط النظام وقد كتب الأستاذ فهمي هويدي مقالاً يوم الثلاثاء 12 تموز الجاري قدم فيه أدلّة على أن السياسة الخارجية لمصر لا زالت هي نفسها سياسة نظام مبارك، وعلى مستوى الشارع الذي تصاعد انفجاره مجدداً يوم الجمعة الماضي 8 تموز في وجه المجلس العسكري وحكومة شرف من خلال إزالة النظام السابق من جذوره، لكن الجماهير التي عرفت ما الذي لا تريده، تبدو اليوم بعد 5 أشهر غير واضحة في رؤيتها لما تريد فالنظام المصري الذي سقط رأسه، ‎بعد استنفاده، على ‏المستوى‎ ‎الفردي والجماعي، لكلّ مخزون القيم الإنساني والأخلاقي اللازم لأيّ حكم. فالسخرية والتهكم والاستهتار، التي حفلت بها الشعارات واليافطات‎ ‎المرفوعة من ‏المحتجّين المصريين، كانت كافية لإفقاد أيّ حكمٍ أو نظامٍ أو فردٍ هيبته. ‎ناهيكَ عن وقاحة ما تكشّف من ممارسات ‏النظام في قمع المتظاهرين، الخفية منها‎ ‎والمعلنة‎.
بالتأكيد، ثمّة أسباب عميقة ومعقدة لذلك، وعلى مستويات عدة. فعلى‎ ‎مستوى القوى والنخب، المؤهّلة لتحويل ‏طاقة تلك الجماهير الجبارة إلى مفاعيل مفيدة‎ ‎في التغيير والخلاص، ها هي تكشف عن عجزها التاريخي، بل ‏انتهازيتها، في أن تكون‎ ‎قيادة حقيقية للناس، في لحظة كاشفة وبالغة الحساسية والأهمية في التاريخ العربي‎ ‎والإقليمي والعالمي. وربما كان ذلك واحداً من أسباب أزمة المنطقة المزمنة، في‎ ‎خضوعها وهوانها الطويل ‏نسبياً أمام أعدائها، بما في ذلك النهب المنظّم لثرواتها‎ ‎ومقدراتها‎.
أما على مستوى النظام نفسه، وأفراده وأدواته ووسائله، فلمّا تتكشّف‎ ‎أسراره الدفينة بعد، وإن بدأت بعض رذائله ‏بالظهور الصادم حتى لأصحابه. بل لعلّ بعض‎ ‎رذائله، التي تكشفت منذ اليوم الأول لثورة شباب مصر المجيدة، ‏هي في التقليد الغبي‎ ‎الخالي من أي ابتكار، في قمع المتظاهرين، ليس للنظام التونسي الذي لم يُخلع ‏بالكامل‎ ‎بعد، بل لممارسة السلطات الفرنسية في قمعها للاحتجاجات الطلابية الفرنسية قبل عقود‎ ‎طويلة‎! ففي شوارع الحي اللاتيني بباريس، وقبل نحو ثلاثة وأربعين عاماً، اقتلع‎ ‎الناس حجارة شوارع العاصمة، في ‏انتفاضة جارفة وعاصفة، ضدّ أقوى زعيمٍ فرنسي معاصر،‎ ‎هو شارل ديغول. وفي إضرابٍ واسع، ضمّ نحواً من ‏عشرة ملايين موظفٍ فرنسي، قاتل‎ ‎الطلبة الفرنسيون ضدّ قوات الشرطة. وتحوّلت ساحة السوريون.. وجوارها ‏إلى منبر‎ ‎لإلقاء الخطابات الوطنية، والتحريض على الثورة‎.
في تلك الانتفاضة، كانت الحماسة‎ ‎والانفعال يسيطران على الجماهير، غير أنها كانت جماهيرُ تشعر تماماً بما ‏ترفضه‎ ‎وتعرفه، وتدركُ أسباب غضبها ورفضها، الذي أخرجها إلى الشوارع. كانت جموعٌ تعرف‎ ‎وتدرك الأشياء كلها، ‏باستثناء الشيء الأهم وهو ما الذي تريده بالفعل، أو قُل ما‎ ‎ينبغي فعله لتحقيق أهدافها وإرادتها. فتحولت في ‏صفحات التاريخ إلى الثغرة الكبرى،‎ ‎للانتفاضة الفرنسية الشهيرة‎.
ما فعله ديغول.. آنذاك، هو إخراج قوات الشرطة‎ ‎والأمن، من الحي اللاتيني الباريسي، والإفساح في المجال ‏للطلبة الثائرين، كي‎ ‎يحتفلوا بحرية فوضاهم، على هيئة غضب واحتجاج عاصفين. ومع مرور أيام التمرّد‎ ‎والعصيان، ‏تبدّدت طاقة الجماهير الفرنسية المنتفضة، وتشرذمت في شوارع باريس‎ ‎العريضة، إلى أن اختفت نسبياً ككتلٍ ‏متجمعة‎.
وبعدها، بدأ تسريب الشائعات في‎ ‎باريس، التي خسرت زخم طاقتها الدافعة خلال أيام قليلة، عن انتشار قوات ‏المظليين‎ ‎والمدرعات في أطراف باريس وضواحيها. وانقضّت قوات الحرس الجمهوري بوحشية، على الحي‎ ‎اللاتيني وما جاوره من أحياء، وطهّرت بعنف غير مسبوق بقايا العصيان فيها. وتمكّنت‏‎ ‎من إنهاء انتفاضة عارمة، ‏ظنّ كثيرٌ من الفرنسيين وغيرهم أنها كانت ثورة‎.
لا شك‎ ‎في أنّ هناك اختلافا وفرقا، بين الحالة الفرنسية وما يحدث في بلادنا، وبالذات في‎ ‎كلٍ من تونس ومصر ‏وغيرهما. غير أن ما هو لافت، في ممارسات السلطة وأجهزتها هناك، أنها لم‎ ‎تغادر ما فعله ديغول قبل أكثر من أربعة ‏عقود، وبتقليدٍ يخلو من أي إبداع سياسي،‎ ‎باستثناء العودة إلى بعض وسائل القتال القديمة، في قمع الجماهير، ‏كالجِمال‎ ‎والخيول والبغال والحمير.
وعلى الرغم من بهاءِ وعظمة ما تحقّق حتى الآن،‎ ‎وبالذات في الثورة المصرية، التي تأخذ منحى مختلفاً بعد سقوط الرئيس مبارك ونائبه، فإنّ مخاطر ‏الفشل والنجاح لا تزال‎ ‎تُخيّم على كلّ شيء، وتهدّد كلّ شيء. ولا تزال المحاولات لإجهاضها واحتوائها،‎ ‎الداخلية ‏منها والخارجية، وبأية وسيلة، قائمة على قدمٍ وساق. ذلك أنّ ممانعات سقوط‎ ‎النظام الآن تتركّز على‏‎ ‎إبقاء النظام نفسه وآلياته، مع بعض التغييرات الشكلية، ‏التي تصيب الأفراد وبعض‎ ‎القوانين، وبعض الإصلاحات الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية. فاقتلاع النظام في‎ ‎مصر ‏من جذوره، يعني أن لا بقاء لمنظومة الأنظمة المسيطرة والمهيمنة في المنطقة منذ‎ ‎عقود. وعلى من استكانوا ‏إلى تأبيد ما هو قائم، أن يتحسّسوا بطونهم ورؤوسهم في آن،‎ ‎وأولهم كيان الدولة العبرية العتيد. وهذا بالضبط ما ‏يخيف الأميركيين والصهاينة‎ ‎معاً، لهذا يسعى الكثيرون الآن، داخلياً وخارجيا، إلى تزوير هدف الثورة المصرية‎ ‎وحرفه إلى: سقوط الرئيس وبقاء النظام، باعتبار أنّ هدف المحتجين تحقق بخلع الرئيس، وكفى الله الجميع شرّ القتال. وهو ما يرفضه بشدّة المُمسِكون على جمرهم‎ ‎وجمرنا في ميدان ‏التحرير وغيره من ميادين مصر الأبية، التي علّمت العالم كلّه درساً بليغاً وقاسياً، في التحضّر والتغيير والحرية.