مسكين هذا الشهر
إننياستدين ضعف مرتبي الشهري لأتمكن من خوض غمار معارك الطعام في هذا الشهر، ولأتمكنمن رفع رأسي عاليا أمام أقاربي وأصدقائي، ولأنجو من وصمة العار التي تلازم كل منيُقصِّر في برتوكولات الطعام، وهي عار(البُخل) أعاذكم اللهُ منها!!!
كماأن كثيرا من الدول تعتبر شهر رمضان عبئا على ميزانيتها،فقد أشار تقريرٌ أصدرتهالجزائر منذ سنوات أن الإنفاق على شراء السلع في شهر رمضان يُعادل إنفاق عدة شهورمن شهور السنة!! لأن الصائمين اعتادوا أن يُفطروا على معجناتٍ مصنوعةٍ من دقيقأستراليا الأبيض، وأن يتناولوا السحور على القمردين التركي اللدن الأشقر، ويملأون فراغ ما تبقى منالأمعاء في الفترة الواقعة بين طعام الفطور والسحور بحشوات القطائف من الزبيباليوناني، وجوز الهند السيلاني، والبندق القبرصي والفرنسي!!
ولايمكن أن أنسى ما نفعله نحن الفلسطينيين، ممن نناشد العالم صباح مساء بمقاطعةالبضائع الإسرائيلية، لأنها تحتل أرضنا وتفرض علينا الحصار، ونقوم في الوقت نفسهبتخزين منتجات شركة تنوفا للألبان والأجبان، فألبان المصانع الإسرائيلية ومنتجاتهامن تمور شركة كنيرت، والمربيات والعسل الأسود والأشقر اللامع، هي التي نستعين بهاعلى قضاء ساعات الصيام القليلة!!
وظللتُ طوال عقودٍ طويلة أناشد القارئين أنيبتدعوا في رمضان تقليدا فلسطينيا جديدا، بأن ندعو الصائمين إلى مقاطعة منتجاتالمُحتلين الغاصبين لحقوقنا الوطنية المشروعة، كأبسط نضالٍ ننفذه في هذا الشهر!!
غير أن لغة التجارة والاقتصاد تتفوق على دعواتي،بل وتطمسها، فأنا عدوٌ لدودٌ لمنظمة التجارة العالمية التي لا ترى في البشرية سوىأفواهٍ، ولا ترى في أجسادهم سوى وسائل إيضاح يعلقون عليها شعاراتهم وبضائعهم!!
كماأن الفلسطينيين- للأسف- اعتادوا أن يدخلواإلى العالم من خلال موسوعة غينس للأرقام القياسية!! فاختاروا أسوأ المبارزاتوأكثرها إساءة لنضالنا، فهم يبارزون العالم في أكبر أطباق المسخَّن والنمورةوالكنافة النابلسية، بينما يواصل إعلامهم صباح مساء عادة الشكوى من القهر والحصاروالجوع!!
وكان مفروضا على الفلسطينيين أن يدخلوا موسوعةغينس بالاقتصاد في استهلاك الطعام، أو أن يُنتجوا أطعمة بديلة مما تنتجه أرضنا،وأن يبتدع الفلسطينيون أصغر وجبة طعامٍ في العالم تكفي الصائم مثلا!!
كان مفروضا على الفلسطينيين أن يقيموا أكبرسرادق للإفطار الجماعي في العالم، بحيث يكون الطعام قليلا والضيوف هم من أبناءوعائلات الأسرى والشهداء من المناضلين، طوال الثلاثين يوما من أيام شهر رمضان!!