لقاءات تجديد الالتزام والأمل ..
الاكتراث المحدود الذي تبديه وسائل الإعلام لاجتماعات الحركتين يقابله لامبالاة من قبل الجماهير الفلسطينية، وتجاهل من قبل الفصائل، والمشتغلين في الحقل السياسي، فهؤلاء يعرفون سواء من خلال ما يتوفر من معلومات أو من خلال التحليل، أن هذه الاجتماعات لن تحقق اختراقاً كبيراً في موضوع المصالحة الفلسطينية.
الجماهير الشعبية الفلسطينية، التي احتفلت واستبشرت خيراً عند توقيع اتفاق المصالحة بحضور الفصائل، وحشد من الشخصيات المستقلة وبرعاية مصرية حثيثة في ظل مناخات التغيير، تلك الجماهير أصابها التأخير والتلكّؤ في تنفيذ الاتفاق، بشيء من الاحباط واليأس. هذه المشاعر التي تنتاب الجماهير الفلسطينية تتناقض تماماً وكلياً مع الحاجة لاستنهاضها لمجابهة الاستحقاقات والتحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني، وربما تطمئن قادة الاحتلال الذين يعدون العدة منذ بعض الوقت، ويجرون التدريبات لمجابهة احتمال اندلاع انتفاضة شعبية ثالثة.
عجيب وغريب هذا الوضع، فأهل الانتفاضة ومن يحتاجون إليها ويهددون بتصعيد النضالات الشعبية لمجابهة الاستيطان وتهويد القدس، وانتهاك ومصادرة كل الحقوق الفلسطينية، أهل الانتفاضة هم الذين بسياساتهم ومواقفهم يقوّضون إمكانية اندلاع انتفاضة شعبية أفترض أن تكون سلمية ضد سياسات الاحتلال.
قد أصبح واضحاً، أن الاتفاق في حقل التنفيذ معطّل، في انتظار استحقاق أيلول، الذي يشكل الأولوية والهدف المركز للقيادة الفلسطينية، وكأن المصالحة إذا تحققت ستكون عبئاً على ذلك الاستحقاق.
وبصراحة فإن وضع استحقاق أيلول في موازاة المصالحة، لا يخدم لا استحقاق أيلول ولا المصالحة، لأن تحقيق النجاح في خيار السعي إلى الأمم المتحدة، ومجابهة تحديات كبيرة موجودة في الطريق، يحتاج إلى حشد كل الطاقات الفلسطينية ويحتاج إلى تمكين التمثيل الفلسطيني، ويحتاج، أيضاً، إلى استنفار وحشد الجماهير الفلسطينية، والعربية.
إن كان الأمر على هذا النحو، بمعنى وضع خياري الذهاب إلى الأمم المتحدة، وتحقيق المصالحة في وجه بعضهما البعض، فإن النتائج التي ستتحقق في أيلول ستعكس نفسها على الخيار الثاني وعلى كل ملف المصالحة من أساسه.
المقصود أن تحقيق إنجاز من خلال استحقاق أيلول من شأنه أن يشعر الطرف الذي سيحققه بأن اتفاق المصالحة لا يلبي طموحاته، ولا يتناسب مع القوة التي حصل عليها، والعكس بالعكس صحيح، أيضاً.
ولكن إذا كان السؤال الأساسي يتعلق بمدى صلاحية اتفاق المصالحة كخيار، فإنني متأكد من أن هذا الخيار لا يزال صالحاً، وسيظل كذلك، انطلاقاً من استمرار تفاعل العوامل الإيجابية التي أنضجته.
قد يحصل تحريك في بعض بنود وشروط المصالحة، ولكن المصالحة كخيار ستظل قائمة، ونعتقد أن أحد أهداف اجتماع القاهرة هو تأكيد التزام طرفي الاتفاق بمبدأ المصالحة، وتقديم رسالة بهذا المعنى سواء للجماهير الفلسطينية أو العربية أو للأطراف الخارجية.
هكذا يصبح مؤكداً أن أسباب تعطيل وتأجيل تنفيذ اتفاق المصالحة لم يكن لأسباب إدارية، ولا بسبب الخلاف على مسمّى ومرشح رئيس الحكومة، ولا حتى على آليات تنفيذ الاتفاق، وإنما في الأساس لأسباب تتصل بالحسابات السياسية التي تتصل بالمفاوضات و استحقاق أيلول.
إذا كان الأمر كذلك، والأطراف المعنية تتفهم ذلك، وإذا كان من غير الممكن تجاوز موضوع الحكومة إلى موضوع منظمة التحرير، وهو أكثر صعوبة من ملف الحكومة، فما الذي يفعله الوفدان في القاهرة.
أعتقد أنه يمكن تسمية لقاءات القاهرة الأخيرة على أنها لقاءات تجديد الالتزام بالاتفاق وتجديد الأمل بتنفيذه، ولكن ربما يبادر الوفدان إلى بحث جملة من القضايا الأخرى غير المحورية لإشاعة أجواء إيجابية يحتاجها الطرفان، نقصد أن لقاءات جرت لماماً قبل الاجتماع الأخير ناقشت إمكانية الاتفاق على موضوعات مثل ملف جوازات السفر، ملف الاعتقال السياسي، ملف المعابر، الحجاج وملف عودة بعض كوادر فتح إلى غزة. إذا حصل اتفاق بشأن هذه القضايا فإن ذلك سيخفف بعض معاناة الناس، ويجدد لديهم الأمل.