ارحل بالعربي
لا احد يتوقع أن تتكالب كاميرات الصحفيين لتلتقط صورة لنتانياهو في قفص الإتهام، ولن يتفوه محامي "الحق العام" بكلمات تثير الإشمئزاز ليطلب من هيئة المحكمة فحص الحمض النووي للقابع في قفص الإتهام للتأكد من أنه نتانياهو بشحمه ولحمه، هذه المشاهد من الواضح أنها ستبقى ضمن مساحة الخيال، فيما الواقع ينقلك لسيناريو مغاير للذي حدث في المحيط العربي، الآلاف من المحتشدين وسط تل ابيب لن تخرج عليهم الدبابات الإسرائيلية لتفتح نيران اسلحتها عليهم، ولن يتبرع أحد من متسلقي العمل الحزبي بتحويل الميدان لمضمار سباق للحيوانات كي تبرطع فيه، ولن تتواصل الاحتجاجات حتى يجلب الرئيس لسجن على سرير، ولن تجد من بين المتظاهرين من يرفع شعار "إرحل"، فالرحيل هنا يكون عبر صناديق الاقتراع، والأهم من ذلك أن المحتجين لن يعيثوا فساداً وتخريباً في الممتلكات العامة والخاصة، هم يدركون أن بناء الوطن عملية تراكمية، ولكل مرحلة إيجابياتها وسلبياتها، ومن يخطيء لا يعاقب الوطن بخطأ قيادته، والمؤكد أن التظاهر لديهم له ضوابط ولا يمكن باي حال من الأحوال أن ينطلق من آفاق شخصنة الأمور.
التظاهرات التي شهدتها دولة الإحتلال تحمل بعض أوجه الشبه مع الحراك الشعبي في الدول العربية، فهي أولاً تنطلق من البعد الإقتصادي وغياب العدالة في التوزيع، وثانياً ان الأحزاب والنقابات كانت الغائب الأكبر عنها، بمعنى أن الحراك يحمل ملامح العفوية وتغيب عنه القيادة الضابطه والموجهة له، وثالثاً أن التظاهرات لم تحمل شعارات سياسية أو دينية، بل جاءت مطالبها في سياق الشأن الداخلي المتعلق بالجانب الإقتصاي وغياب العدالة، والحديث عن العدالة هنا ليس له علاقة بالسلطة القضائية والتشكيك فيها كما هو الحال لدى الدول العربية، وإنما التشكيك يطال فقط عدالة التوزيع على فئات المجتمع المختلفة، ولكن الحراك هنا يحمل العديد من الظواهر المغايرة لواقع ما يحدث في المحيط العربي، فلسنا هنا أمام أباطرة في الحكم إمتد جلوسهم على سدة الحكم لعقود، وظاهرة توريث الحكم غائبة جملة وتفصيلاً، وأن الحكم هنا مرتبط بالحزب وليس بالفرد، وبالتالي المستهدف لديهم هو سياسة الحزب وليس المتربعين على عرشه.
يجمع المحللون على أن التظاهرات داخل المجتمع الإسرائيلي لا يمكن لها أن تؤدي إلى الإنقلاب على نظام الحكم، ولن تذهب لحد المطالبة بإسقاط الحزب الحاكم وشطبه من الخريطة السياسية وإحراق مقاره وملاحقه قياداته وحله مقدمة لإخراجه عن القانون، بل أن سقف ما يمكن أن تحققه هو دفع حكومة الإحتلال للدعوة لإنتخابات مبكرة، وعندها صناديق الإقتراع وحدها من تحكم على الحكومة وأدائها، والمؤكد أن الذهاب للإنتخابات المبكرة لا يعني نهاية الحزب الحاكم، ولن تفرز الصناديق قائداً مفدى تحتضنه هذه السفارة أو تلك، فالنظام السياسي لا يسمح بقفزات في الهواء لا يعلم أحد إلى اين يمكن أن تؤدي بالأوطان ومقدراتها، ولكن المهم أن الذهاب لانتخابات مبكرة يعني أن الشعب هو صاحب الكلمة، وأنه قادر على فسخ عقده مع من إنتخبه، وأن من حقه أن يعيد حساباته حتى وإن كان ذلك قبل إنتهاء مدة صلاحية العقد بين الناخب والمنتخب، فلا توجد لديهم عقود كاثوليكية غير قابلة للنقض أو الفسخ، ولن يخرج عليهم من يقول لهم أننا باقون على صدوركم، ولن نسمح لأصواتكم بأن تزحزحنا عن عروشنا، وفقط يمكن أن نعود لكم حين نمتلك الضمانات بأننا من سيحصد اصواتكم سواء كان ذلك عبر صناديق إقتراع حقيقية أو بصناديق ممتلئة بما شئنا من اصواتكم يتم إعدادها مسبقاً.