اسرائيل.... لا مقاومة... لا مفاوضات
راية نيوز: تتجه القضية الفلسطينية الى حالة بالغة التعقيد في ظروف استثنائية ، وذلك بعد كارثة الانقسام الذي لم تستطع الحكمة السياسية والوطنية الحيلوله دون وقوعها،بل كرسته الامرالذي يستدعي دراسة سيكولوجية القادة الفلسطينين وخلفياتهم الاستراتيجية التي ينطلقون منها وخصوصا بعد هذا التعطيل الخطير للوحدة المنشودة ،وبعد فشل الراعي الاول لعملية السلام الولايات المتحدة الامريكية في اثبات قدرتها على الوفاء بالتزامتها وتطبيق ارادة الحق والسلام والوعود التي قطعتها على ذاتها،أي انها اثبتت انها صور مستنسخه من سياسة المعايير المزدوجة ،اضافة الى حكومة يمينية متطرفة تدرك تماما انها قادرة على التحكم بمجريات الواقع على جميع الصعد التفاوضية والكولونيالية ،وتبني مرتكزات تحركها على الفارق الهائل بين التطبيق الاستعماري الممارس بقوة وبين شعار السلام المرفوع على سارية بلدوز يهدم بيوت المقدسين أو يوسع في حدود مستوطنه تقطع اوصال الضفة الغربية ،وينطلق السؤال البديهي ، ما هو الموقف الفلسطيني الحالي ؟
لاشك أن الجمود والمراوحة في المكان هي من سمات المرحلة الراهنة ، لا مقاومة ولا مفاوضات فلسطينينا، توسيع للاستيطان والتهام للارض وتنكر للحقوق اسرائيليا ، فالجانب الفلسطيني الذي اختار السلام كخيار استراتيجي يحاول نقل المعركة الى الساحة الدولية ومجلس الامن ، مستفيد من التزامه بتطبيق خارطة الطريق واصلاحه لمؤسسات السلطة ،واستنفاذ كافة خيارات التفاوض مع حكومات اسرائيل المتعاقبة ، اضافة الى القوانين الدولية التي اقرت حق الشعب الفلسطيني في اقامة دولته ، وعلى الجانب الاخر من شطر الوطن المقسم الحكومة المقالة اتخذت موقف لا مقاومة هجومية ولا اطلاق للصواريخ فقط المحافظة على الوضع الداخلي ، نتيجة للحصار والظروف التي يعيشها قطاع غزة ولاعتبارات حزبية ايضا خاصة بحركة حماس ، وبغض النظر عن تبريرات جميع الاطراف فالمرحلة الراهنة ستحمل بامتياز عنوان ( لا مقاوضات)
ان موقف الجانب الفلسطيني بعدم العودة للمفاوضات الا بعد ايقاف كلي للاستيطان رغم اهميته وضرورته لا يشكل اهمية لحكومة نتنياهو ولا يشكل حالة ضغط يمكن الاستجابة لها وذلك لعدة اسباب اهمها :
1- ان حكومة نتنياهو تعتبر هذا الشرط كسر لهيبة الدولة ، فالشروط يضعها القوي وليس الضعيف وان الرضوخ لهذا الموقف سيشجع السلطة على اعتماد سياسة التلويح بايقاف المفاوضات في كل عقبة تفاوضية قادمة ، فلا رضوخ لسلطة فلسطينينة مقسمة لا تملك من مقومات قوتها العسكرية الا ما توافق عليه اسرائيل .
2- لان حكومة نتنياهو استحدثت موقفا ذكيا في موضوع الاستيطان من خلال موافقتها على ايقاف جزئي للاستيطان لمدة عشرة شهور ، فمن خلال هذا القرار حققت ما تريد الدولة العبرية وليس ما يريده الفلسطينيين ، فقد خففت بعض الضغوط التي تعرضت لها دوليا ، وحاولت شرعنة الاستيطان من خلال شرط المدة الزمنية ،ووضعت سقفا تفاوضيا ضاغطا على الجانب الفلسطيني اذا ما عاد الى طاولة المفاوضات ،ذلك لان المفاوضات يجب ان تتوصل الى حل تقبله اسرائيل في هذه الفترة والا فانها في حل من التزامها ، والامر الطريف والمثير للسخرية معا ان المدة ذاتها ستتحول الى موضوع تفاوضي، بحيث سيتم التفاوض من أجل تجديد أو تمديد الفترة التي يجمد بها الاستيطان ، وبكل الاحوال اسرائيل تبجحت وبشكل علني أنها ستعود للاستيطان بعد انقضاء المهلة التي حددتها لنفسها ، وهذا موقف رهيب ومفزع ويمثل قمة الازدراء للسلام ونهج التفاوض ، ولارادة الشعب الفلسطيني ومقاومته، وعامل ضغط مركب على كل الاطراف .
3- ان حكومة سرائيل مستفيدة من الموقف الحالي (لا مقاوضات ) لانه يصب في مصلحة رؤيتها الذاتية و لهذا ستندفع بقوة وستزيد من وتيرة ممارساتها الاستيطانية مستغلة الضعف والانقسام ، وفي ظل صراع البرامج ستكون هناك مراهنة على تراجع فلسطيني عن موقفه بايقاف التفاوض والعودة لها ، لانه المتضرر الاول مما تقوم به اسرائيل وخصوصا ان الممارسات الاستيطانية تتركز في الضفة الغربية وليس في قطاع غزة التي تحاصرة وتعزله، والذي يكتفي بموضوع التهدئة حتى يلتقط انفاسه .
4- ان اسرائيل لا تواجه عوامل ضاغطة من جراء احتلالها وممارساته في الضفة الغربية وقطاع غزة ، فلا مقاومة من الضفة ولا مقاومة من غزة ،ولا موقف فلسطيني موحد ولا برامج مشتركة، ولا اسناد عربي، ولا موقف دولي جريء ومميز، فقط دعوات متتالية للعودة للمفاوضات دون اطار زمني او ضمانات .
5- واخيرا هناك سبب يتعلق بنتنياهو ذاته فهو لن يختم حياته السياسية في صناعة السلام دون ان يحقق انجازات تسجل له عبر التفاوض مثل يهودية الدولة وابقاء القدس عاصمة للدولة العبرية ، او من خلال مفهوم القوة بتسريع الاستيطان والقضاء على الوجود العربي في القدس ،ولن يفوت فرصة وصوله الى الحكم دون ان يعيد الاعتبار لحزبه الذي تعرض لنكسات سياسية في الفترة السابقة .
ان الاجتهادات السياسية الفلسطينينة تزداد تعقيد وضعف في ان واحد ، فبرنامج المقاومة الذي ابتعد عن المقاومة لاعتبارات سببها الاحتلال وحصاره الخانق و اعتماده اليات التكتيك التي تضمن وجوده واستمراريته وسيطرته على قطاع غزة ، وبرنامج التفاوض جمد التفاوض بسبب الاحتلال والاستيطان معتمدا تكتيك المقاومة التفاوضية ، حققا مصلحة اسرائيل ، فلا شيء يحرجها سياسيا او يستنزفها ويقلق امنها ، بل هي تدرك تفاصيل الحالة الفلسطينينة بكل أبعادها ، وتدرك تماما ان الوصول الى اتفاق عبر التفاوض مع الفلسطينينين لن يتحقق في المرحلة الراهنة ، فالمؤسسات السياسية الفلسطينينة تعاني من شلل بحكم الانقسام ،وان اي اتفاق يمكن التوصل له لا بد من عرضه على هذه المؤسسات وعلى راسها مجلس تشريعي منتخب وفاعل ودون ذلك سيتعرض هذا الاتفاق الى هزة عنيفة تذهبه ادراج الرياح.
وهنا تأتي معضلة فك العقدة للحالة الفلسطينية، فكما تدرك اسرائيل الوضع الفلسطيني، على الفلسطينيين انفسهم ان يدركوا حالتهم الراهنة ،وهنا لابد من اتخاذ قرارات جريئة ووطنية من جميع الاطراف، وبكل قوة قبل انتهاء مدة نتنياهو التي حددتها حكومته لتجميد الاستيطان ،الفلسطينيون بكل اطيافهم يقدمون للحكومة الاسرائيلية الحالية ما تحتاجه بطريقة غير مباشرة ،فما هو المانع ان يقدموا لانفسهم ما تحتاجة قضيتهم بطريقة مباشرة ،ولماذا لا يتم العمل على ترتيب لقاء مباشر بين الرئيس عباس وخالد مشعل وجميع امناء التنظيمات الفلسطينينة ، ليشكلوا ورشة عمل فلسطينية ،هدفها التشاور للخروج من الحالة الفلسطينينة الخطيرة التي وضعتهم اسرائيل بها من خلال ممارساتها ومدتها الزمنية التي ستبدأ بعدها بتكثيف ممارساتها بشكل اخطر ، وليكن هذا اللقاء سريا للتخلص من عوامل الضغط الخارجي بحضور الاطراف العربية المؤثرة في الساحة الفلسطينية، او ليكن علنيا لا تهمنا الصيغة بل تهمنا النتيجة، بعد ذلك يتم الانطلاق نحو تفعيل المؤسسات الاصيلة للشعب الفلسطيني والتي على راسها منظمة التحرير ، ويوضع البرنامج الفلسطينيني النضالي القادم لمراحل متتابعة محكومة بسقف زمني لكل مرحلة، فلا يمكن ترك القضية الفلسطينية رهينة للاحداث التي يصنعها الغير، أو سجنها في كابوس الزمن الذي لا ينتهي ، ولا يمكن الانحناء اكثر من اللازم امام عواصف السياسة ، هذه حالة الفلسطينين سياسيا فماذا تراهم فاعلون ؟؟؟؟