صانعو الديكتاتوريات.. صانعو الديمقراطيات !!!

2011-08-29 08:42:00


أتابع المشهد العربي بتركيز شديد, أخرج من ملابس السياسي و أتدثر بملابس المثقف، الكاتب, الأديب, لعلي أرى بصيصا من الضوء يساعدني على فهم ما يجري في بلاد عشت فيها معظم سنوات العمر, لأنني فلسطيني, صاحب الجرح الأول, والقصة الأم, فقد كانت حياتي في تلك البلاد التي هي أرض التجربة الآن تنتمي إلى حالة من الانتباه الشديد, والتعمق الذي يفوق حياة الإنسان العادي, عشت في مصر وسوريا وتونس وليبيا و اليمن بالإضافة إلى لبنان والعراق والجزائر وبلاد أخرى, أحاول الآن أن أستعين بمزايا الذاكرة, وبحصيلة التجربة عليّ أضيء المشهد فأراه على حقيقته, ولكن ما أراه أمامي يزداد غموضا, لا أستقر على يقين سوى أنه لا شيء يبقى سوى وجه ربك ذي الجلال و الإكرام.
منذ بدايات القرن التاسع عشر, واللاعبون هم أنفسهم, يعتلون المسرح, ويؤدون الأدوار, إنهم الأقوياء, عندما كانت الديكتاتوريات القوية مطلبهم لتكريس وحدة بلادهم, فإنهم صدروا النموذج إلينا , و أصبحت حياتنا في العالم العربي تدور حول نماذج بسمارك ومازيني وغاريبالدي ونابليون بونابرت وموسوليني وهتلر, وفي فترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية هم أنفسهم الذين صدروا لنا نماذجهم , رسخوا بقوة دباباتهم خرائط بلادنا المستقلة , من الذي أراد لبنان صغيرا ثم أراده كبيرا على النحو القائم الآن, ومن الذي اراد سوريا مقسمة ثم أرادها على ما هي عليه الآن ؟!
في سنوات ما بعد انتصار الحلفاء قبل قرابة مائة سنة, كان الأفضل بالنسبة لهم الديكتاتور العربي القادر على عقد الصفقات معهم , صفقات النفط, أو صفقات التجارة, أو صفقات الأمن, أو صفقات العقود العسكرية , و كانوا في إعلامهم القوي يطلقون الألقاب الضخمة على حكامنا, يصفونهم بالأصدقاء المقربين, ويعتبرون فسادهم حكمة ما بعدها حكمة!!! وجرائمهم ضد شعوبهم أمرا يمكن تفهمه وقبوله.
آه, كم عزفت الموسيقى لمعمر القذافي, وكم تحمل المضيفون نوقه التي كانت تصاحبه في المؤتمرات والزيارات الطويلة!!! وكان مشروع النهر العظيم يوصف بالرؤية بعيدة المدى, وكانت الدبابات و المدافع تدفنها عواصف الصحراء مع أن ثمنها

بالمليارات من أموال و دماء الشعب الليبي, والصورة نفسها كانت موجودة مع بعض الفروق الموضوعية الصغيرة في كل مكان في البلاد التي تمر بالتجربة الآن, فابن علي زين العابدين كان التلميذ النجيب في مدرسة روبرت غيتس مدير الـ C.I.A, والقذافي مر بنجاح من بين القاعدتين الأمريكية والبريطانية اللتين كانتا تحتلان ليبيا في عهد الملك السنوسي دون أن يصاب بخدش بسيط, وقد تابع هؤلاء بهدوء شديد وتأييد واضح يصل إلى حد من الإعجاب عملية تغيير الدستور في سوريا لتوريث بشار الأسد من أجل أن يؤدي أدواره المطلوبة منه بإتقان, وكان حسني مبارك يوصف بالحكمة والاعتدال والنضج السياسي, كما أنهم أنفسهم أعطوا موافقة على وحدة اليمن وحين قام الجنوبيون بمحاولة لفك الارتباط قال لهم هؤلاء بصريح العبارة بأن دعم الانفصال ليس على جدول أعمالنا !!!

المشهد الآن مقلوب بالكامل, واقف على رأسه بينما قدماه تتحركان في الأعلى بمزيد من التشنج غير المسيطر عليه, إنه زمن صناعة الديمقراطيات, والطريق إلى الديمقراطية طريق طويلة محفوفة بالمخاطر والمفاجآت !!! حتى في مصر الأكثر سيطرة بفعل الجيش كمؤسسة راسخة, فإن السلاح منتشر في أيدي الناس مثل انتشار الهواتف المحمولة وفي ليبيا فإن المجلس الانتقالي الذي يوصف بأفخم الألقاب, ويصفونه بالممثل الشرعي الوحيد , ويفعلون كل شيء بأمره, يأخذ مصروفه من أموال ليبيا بأمرهم, تماما كالطفل الذي يحتاج إلى وصي, وها هم يعيدون ترديد بعض مقولات القذافي الذي كان يتهم القاعدة وهم يحذرون من الجهات المتشددة !!! وفي سوريا يستمر التدمير الذاتي إلى أن يتفق اللاعبون الرئيسيون على حصص مستقرة في ما بينهم !!!
إلى متى يستمر المشهد سائلا هكذا, لا يستقر على شكل, ولا يثبت عند صيغة, ولا يتوقف عند حد ؟؟؟ لا تسألوا أحدا في الداخل, فإنهم لا يعرفون, بل اسألوا اللاعبين الكبار, اسألوا الاتحاد الأوروبي, واسألوا الناتو, واسألوا دائمي العضوية في مجلس الأمن, يذكرنا هؤلاء بمجلس الآلهة, في قمم الألومب في الأسطورة الأغريقية, يتفقون فتقوم الحرب أو يتحقق السلم, ويختلفون أو يتناقضون أو ينقلبون ضد بعضهم, فتحدث الزلازل والأعاصير, وتحمل الريح على أجنحتها شعلات اللهيب إلى حقول بعيدة يراد لها أن تحرق, أما الضحايا فلا يعرفون ولا يقررون.