التهديدات الأميركية مجرد سهام طائشة
سياسة العصا والجزرة التي تمارسها الإدارة الأميركية لوقف التوجه الفلسطيني للأمم المتحدة، لم تعد تنفع في شيء، ما لم تتجرأ هذه الإدارة، وهي لن تجرؤ على ممارسة ولو الحدّ الأدنى من الضغط على حكومة نتنياهو التي تجلب لإسرائيل ولحليفتها الولايات المتحدة، العار، والحرج. الإدارة الأميركية أعلنت مبكراً على أكثر من لسان، على رأسهم الرئيس باراك أوباما، أنها ستقاتل إلى جانب إسرائيل لمنع الفلسطينيين أو إفشال مسعاهم إلى الأمم المتحدة. كلام المسؤولين الأميركيين، بقدر ما أنه يؤكد تطابق المواقف الأميركية مع الإسرائيلية، فإنه يؤكد، أيضاً، جدية التهديدات التي تطلقها الإدارة الأميركية، سواء باستخدام الفيتو في مجلس الأمن، أو في ممارسة ضغوط على دول أخرى لإقناعها أو إرغامها على معارضة الطلب الفلسطيني أو باستخدام الضغوط المباشرة على السلطة الفلسطينية من باب المال.
المحاولة التي يقوم بها كل من دنيس روس وديفيد هيل لإقناع السلطة محكوم عليها سلفاً بالفشل، طالما أنها تنطوي على مناورة تربط بين وقف السعي الفلسطيني للأمم المتحدة والعودة إلى المفاوضات مقابل اعترافها بيهودية الدولة، وتجميد مؤقت للاستيطان.
أغلب الظن أن المسؤولين الأميركيين، كما أصحاب القرار في الإدارة الأميركية، يعرفون النتيجة سلفاً، فالفلسطينيون غير مستعدين تحت أي ظرف للاعتراف بيهودية إسرائيل، وحكومة نتنياهو غير قادرة تحت أي ظرف على اتخاذ قرار بتجميد الاستيطان.
تعرف الإدارة الأميركية أن نتنياهو الذي يواجه أزمة اقتصادية واجتماعية متفاقمة دفعت الجمهور الإسرائيلي للخروج إلى الشوارع مطالباً بإسقاطه لا يستطيع المجازفة بوقف الاستيطان، الأمر الذي سيثير مئات آلاف المستوطنين، الذين يمكنهم إضفاء أبعاد سياسية وأيديولوجية على الأزمة التي تعصف بالمجتمع الإسرائيلي.
إذاً، ماذا يحاول روس وزميله هيل أن يفعلا سوى محاولة جديدة لإرضاء إسرائيل واسترضاء الناخب اليهودي الأميركي، وربما أيضاً تبرير الموقف الأميركي الذي سيعترض المسعى الفلسطيني، ويشكل غطاءً لتصعيد العدوانية الإسرائيلية ضد السلطة.
إدارة الرئيس أوباما تعرف تماماً ما تحضر له إسرائيل لمجابهة الأزمات الخارجية والداخلية التي تواجهها، ويشير إليها بوضوح وزير الدفاع الإسرائيلي ايهود باراك، الذي يعلن أن جيشه مستعد لمجابهة التحركات الشعبية المحتملة في الضفة، وهو مستعد لخوض حروب بات الكثير من المراقبين يتوقعون اندلاعها بمبادرة من قبل إسرائيل.
وفي الحقيقة، فإن هذه الإدارة القائمة على رأس السياسة الأميركية قد أوغلت أكثر من أي إدارة أخرى في تأييدها ودعمها لسياسات إسرائيلية تلحق أضراراً بليغة بمصالح الولايات المتحدة، ناهيك عن أنها تنطوي على مخاطر إستراتيجية جسيمة لإسرائيل لا تنفع في مواجهتها غطرسة القوة.
ولعل وزير الدفاع الأميركي الأسبق روبرت غيتس محق، وحتى أنه مجامل في تصريحه حين يقول إن "نتنياهو حليف عاق للولايات المتحدة وسياسته تنطوي على نكران جميل". كان على وزير الدفاع غيتس أن يكون أكثر جرأة وموضوعية حين يصف السياسة الإسرائيلية برمتها وليس فقط سياسة نتنياهو، تلك السياسة التي استنزفت وتستنزف مصداقية الولايات المتحدة، وألحقت إهانات كثيرة بمسؤولين أميركيين، بما في ذلك الرئيس أوباما، وقوّضت وتقوّض، طموحه في تحسين صورة بلاده في الشرق الأوسط.
ينبغي على فرسان السياسة الأميركية أن يدركوا مغزى وأبعاد السياسة التي يواصلون تبنيها وممارستها في ظل ربيع الثورات العربية وفي ظل التحول الجذري والكبير في سياسات ومواقف تركيا إزاء السياسة الإسرائيلية.
إن السياسات والمواقف التركية تستجيب بشكل جيد لمصالح وتطلعات تركيا أولاً. وتالياً لمصالح وتطلعات الشعوب العربية، ولذلك فإن سياساتها ستشكل نموذجاً وملهماً لتصعيد مواقف وتحركات الشعوب العربية وحكوماتها ضد إسرائيل وسياساتها العدوانية، وضد الولايات المتحدة التي تقف بقوة إلى جانب إسرائيل.
إذاً، الولايات المتحدة وفق هذه السياسة، من المتوقع أن تخلي مواقفها السياسية والمعنوية والأخلاقية في المنطقة، فإذا كانت الطبيعة والسياسة لا تقبلان الفراغ، فإن الفرصة متاحة لمن يتقدم بجرأة لملء هذه الفراغات.
الاحتمالات الواقعية تعطي لأوروبا الموحدة الأرجحية في التقدم وتصعيد دورها السياسي وتوسيع مصالحها في المنطقة على حساب الولايات المتحدة، لكن هذا الأمر مرهون بتقدم المواقف السياسية الأوروبية، نحو تفهم المصالح والحقوق العربية والفلسطينية، ونحو تعزيز استقلالية السياسة الأوروبية عن السياسة الإسرائيلية، وإلاّ أصابها ما يصيب الولايات المتحدة.
إن تردد الاتحاد الأوروبي إزاء اتخاذ مواقف جريئة ومتوازنة من الصراع في هذه المنطقة، سيفقده هذه الإمكانية لصالح قوى دولية تقليدية أخرى صاحبة اهتمام قديم بالشرق الأوسط. وفي هذا الإطار لا بد أن نتذكر ونذكر الدور المبادر الذي اتخذته فرنسا وبريطانيا إزاء الوضع في ليبيا، والذي يكسب هذه الدول مكانة أفضل في تحديد طبيعة العلاقات الدولية، والمصالح بدول المنطقة.
ومن ناحية أخرى، يترتب على العرب لزاماً، أن يقدموا الحماية السياسية والمالية للسلطة الفلسطينية، ومؤسسة القرار الفلسطيني، فالولايات المتحدة لن تنفع أي متخاذل، حين تصبح القضية في أيدي الشعوب. إن من المخجل للعرب أن يقفوا متفرجين على السلطة وهي تعاني أزمة مالية ستزيدها الإجراءات الأميركية تفاقماً، وعلى هؤلاء أن يدركوا أن أولوية الشعب الفلسطيني هي التمسك بحقوقه.