انحياز أعمى للكيان الصهيوني

2011-09-11 10:18:00
نقل عن صحيفة الخليج الإماراتية :

المفترض في لجان التحقيق الدولية الدقة والمضوعية والعدالة ومراعاة الحقيقة، غير أننا أمام تقرير صادر عن هيئة دولية شكّلتها الأمم المتحدة، أبعد ما يكون عن القيم الإنسانية العادلة . فالتقرير الدولي عن الاعتداء على أسطول الحرية وعلى السفينة مرمرة بشكل خاص، الذي أصدره رئيس الوزراء النيوزيلندي السابق جيفري بالمر، هو تقرير ظالم ومنحاز انحيازاً تاماً ل "إسرائيل"، فقد اعتبر الحصار البحري الذي تفرضه "إسرائيل" على قطاع غزة "إجراء أمنياً مشروعاً بهدف منع دخول الأسلحة إلى غزة بحراً، وأن تطبيقه يتماشى مع متطلبات القانون الدولي" . التقرير وكي يبدو متوازناً انتقد ما وصفه بالاستخدام "المفرط واللامنطقي للقوة" من جانب الجيش "الإسرائيلي"، الذي داهم الأسطول ما أسفر عن قتل تسعة من المبحرين المدنيين على متن السفينة مرمرة .
بداية، التقرير يقف مع المعتدي ضد المعتدى عليه، فلا مانع من وجهة نظر معدّيه أن تستخدم "إسرائيل" القوة ولكن من دون الإفراط . "إسرائيل" شنّت هجوماً على سفن الأسطول في عرض البحر مثل القراصنة المجرمين، واستعملت القوة التي أدت إلى قتل تسعة أتراك وجرح العشرات من جنسيات مختلفة وهم كلهم مدنيون، ولا يحملون سلاحاً (وهو ما لم يُشر التقرير إليه)، كل الحمولة التي كانت على متن السفينة هي أغذية وأدوية ومعدات طبية ليس إلاّ، فهل هذه هي العدالة من وجهة نظر القائمين على التقرير؟
في الوقت الذي تشير فيه التقارير الدولية، بما فيها التابعة للأمم المتحدة والصليب الأحمر الدولي، إلى افتقار أهالي غزة إلى المواد الحياتية الأساسية وإلى الأدوية والمعدات الطبية، يطلع علينا التقرير الذي يصف فيه الحصار "الإسرائيلي" الممتد لأربع سنوات على القطاع بأنه "إجراء أمني مشروع"، فهو يقف مع الجلاد ضد الضحية التي ليس بين يديها سوى الأسلحة البسيطة والبدائية، في مقابل ترسانة من الأسلحة تملكها "إسرائيل"، التي اقترفت ضد أهالي القطاع في العدوان الذي شنته عليه في نهاية عام 2008 وبداية عام ،2009 والذي ذهب ضحيته 1500 شهيد فلسطيني و5 آلاف جريح من بينهم النساء والشيوخ والأطفال، مجازر حقيقية . لم تكتف "إسرائيل" بذلك وإنما مارست ولا تزال، قصفاً يومياً للقطاع ويتسبب بقتل وجرح العشرات من المدنيين العُزّل، إضافة إلى هدم آلاف البيوت، التي ما زالت مدمّرة حتى اللحظة، ولجأ ساكنوها إلى الخيام ومنعت "إسرائيل" ولا تزال إدخال مواد البناء اللازمة لترميم هذه البيوت .كل هذه الموبقات التي تقترفها "إسرائيل" يومياً لم تلقَ صدىً من معدّي التقرير، بل شهدت تجاهلاً واضحاً مقصوداً منهم، باعتبار الحصار "الإسرائيلي" هو عمل مشروع من حق الدولة "الإسرائيلية" فرضه على المدنيين .


عندما يقرأ مطلق إنسان هذا التقرير الدولي المجحف بحق الضحايا، يتبادر إلى ذهنه أنه يعيش في القرون الوسطى، وليس في القرن الواحد والعشرين، أي عصر حقوق الإنسان، ومواثيق جنيف، واتفاقيات لاهاي، والشرعية الدولية، وغيرها من اللوائح التي نظمت حقوق الإنسان .
من الطبيعي والحالة هذه أن تعلن "إسرائيل" قبولها للتقرير مع إبداء بعض التحفظات على البند الذي يتناول الاستخدام المفرط للقوة، فالتقرير يعتبر أن أسطول النشطاء "تصرف بشكل أرعن بمحاولته خرق حصار بحري وأن "إسرائيل" واجهت مقاومة كبيرة ومنظمة وعنيفة من جانب مجموعة من الركاب" . إن هذا النص يخدم الادعاءات "الإسرائيلية" الكاذبة جملة وتفصيلاً، فجنود المظلات "الإسرائيليين" لم يواجهوا أية مقاومة مسلحة من الناشطين الذين حاولوا الدفاع عن أنفسهم من خلال الأيادي فقط، والتي هي أقرب إلى الدفاع عن النفس منها إلى توجيه الضربات للمهاجمين الذين يمتشقون أحدث أنواع الأسلحة .
بالطبع، أحسنت تركيا الرد على التقرير من خلال الرفض الذي جاء على لسان الرئيس عبدالله غول، وقد اعتبر التقرير "باطلاً كأنه لم يكن"، ومن خلال طرد السفير الصهيوني من أنقرة، وتخفيض مستوى العلاقات بين تركيا و"إسرائيل" إلى مستوى السكرتير الثاني، ووقف العمل (تجميد) كافة الاتفاقيات العسكرية بين البلدين . وزير الخارجية التركي داوود أوغلو أعلن بملء الفم أن بلاده ستلجأ إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي لكي تقرر بشأن مشروعية الحصار الذي تفرضه "إسرائيل" على قطاع غزة، وبالفعل قامت تركيا بتقديم هذا الطلب .
رد الفعل "الإسرائيلي" على الخطوات التركية، انطلق من الصلف والعنجهية والاستعلاء، فقد صرّح مصدر دبلوماسي صهيوني "بأن "إسرائيل" لن تعتذر عن مهاجمة سفن الأسطول"، وهو أيضاً ما أكده نتنياهو .
التقرير ورغم ظلمه الفادح وانحيازه المطلق ل "إسرائيل" فإن معدّيه ينصّبون من أنفسهم مدافعين عن العلاقات التركية "الإسرائيلية"، من خلال القول "إن على تركيا و"إسرائيل" استئناف علاقاتهما الدبلوماسية الكاملة لمصلحة الاستقرار في الشرق الأوسط" .
التقرير وفي محاولة خجولة من أجل أن يبدو متوازناً، يدعو "إسرائيل" إلى "إصدار إعلان مناسب تبدي فيه أسفها حيال المداهمة ودفع تعويضات لعائلات القتلى وللجرحى" .
غريب أمر معدّي التقرير الدولي، فلم يطالبوا الدولة الصهيونية بالاعتذار وإنما بالأسف، كأن الجريمة التي اقترفتها "إسرائيل" حادث بسيط، وليس مذبحة ذهب ضحيتها مدنيون أبرياء، ويرى التقرير أن قيمة هؤلاء يجري تقديرها بالتعويض المالي فقط، بعيداً عن المعاني الإنسانية والأهداف النبيلة لهم، بإغاثة محاصَرين عُزّل .
حقيقة الأمر أن هذا التقرير جائرٌ في ظلمه وانحيازه، ويتوجب أن تكون هناك ردود فلسطينية وعربية متوائمة مع الرد التركي، فالمحاصَرون الذين ذهبت أرواح الأبرياء من أجلهم، مواطنون عرب فلسطينيون، ورفض التقرير يتوجب أن يقترن بخطوات فعلية يجري اتخاذها على الأرض .