نظرة فى مدرسة الرئيس محمود عباس السياسية

2011-10-01 09:17:00


حتى نفهم خطوات الرئيس محمود عباس السياسية لابد من الإطلاع على طبيعة مدرسته الفكرية والسياسية التى يتمتع بها ويؤمن بها , وكل من خالطه واقترب منه يستطيع بكل سهولة التعرف على المبادئ العامة لطبيعة تلك المدرسة الفكرية التي ينتمي إليها , وهنا نضع بعض الخطوط بصفة اجتهادية وغير رسمية ولكنها نتيجة الاحتكاك والاستماع من الرئيس محمود عباس مباشرة فى مناسبات مختلفة على مدار سنوات خلت .

يعتقد الرئيس محمود عباس أن صراعنا مع الكيان الإسرائيلي منذ بدايته كان دائما ضمن حدود مربعين ولكل مربع أدواته المختلفة , وهما المربع العسكري والمربع السياسي , وحاول كل طرف جر الطرف الآخر للمربع الذي يحقق من خلاله أهدافه بأقل الخسائر دون تقديم الكثير من التنازلات , وفي كل الأحوال فإننا والكيان الإسرائيلي لسنا ندين متساويين فى الإمكانيات والقدرات لأن الكيان الإسرائيلي يرتكز فى علاقاته الدولية على دعم الطرف المنتصر فى هذا العالم وهي الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وهذا شكل له حماية خاصة وقدرة على امتصاص أي قرار أو تخفيف أي ضغط مباشر على الكيان الإسرائيلي , أما نحن فنرتكز على القوة الأضعف أو المهزومة فى هذا العالم وهي الدول العربية والإسلامية وغيرها من دول العالم الثالث وحلفائه فهي لا تستطيع فرض رؤيتها أو مواقفها على المجتمع الدولي بحكم موازين القوى المتحكمة فى مقدرات هذا العالم , ومن هنا فإنه من العبث أن نتعامل مع الكيان الإسرائيلي بروحية الندية وكأننا متساوون معه فى المعركة بالرغم من تأييد وتفهم الغالبية العظمى من العالم لحقوقنا وعدالة قضيتنا ولكن لغة المصالح هي المسيطرة على المواقف فى هذه المرحلة , ولذلك من العبث اعتماد سياسة معاملة الكيان الإسرائيلي بالمثل أي إذا لم تلتزم بالاتفاقيات الموقعة بيننا فهذا سبب كاف لإعلان عدم التزامنا بالاتفاقيات كما يطالب البعض , بل العكس هو الصحيح فإن التزامنا بالاتفاقيات يعطينا قوة تأييد دولية أكبر وخاصة عندما لا يلتزم الكيان الإسرائيلي بها وهذا سيضع حلفاء الكيان الإسرائيلي فى حرج وسيتم فضح سياستهم المتناقضة مع الشعارات التي يرفعونها حول الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الشعوب , لأن المعركة فى نهاية المطاف هي تسجيل نقاط لكل طرف والحفاظ على زخم القضية حاضرة فى وجدان المجتمع الدولي واستغلال كل فرصة يمكن تحقيق من خلالها إنجازات لصالح قضيتنا العادلة .


أولا / المربع العسكري : فقد عملت السياسة الإسرائيلية منذ نشأة هذا الكيان على أرضنا أن يبقى الصراع داخل المربع العسكري مستغلة الأكذوبة الأمنية وبأن الكيان الإسرائيلي فى خطر وأنه محاط بدول عدوة له ومن حقه الدفاع عن نفسه , وساهم فى تعزيز هذه الأكذوبة سهولة انجرارنا فى أحيان كثيرة لممارسات كانت تستفيد منها إسرائيل كثيرا ولذلك كانت الحرص الإسرائيلي أن يبقى عنوان الصراع معها يأخذ الطابع العسكري الأمني المباشر , ولأن في هذا المربع المنتصر فيه أ من يملك القوة العسكرية الأكبر وأدوات القتال الأنجع والمقومات الأكبر فإنه لا مجال للمقارنة بين الطرفين , فلقد وقفت خلف الكيان الإسرائيلي القوى الكبرى فى إمدادها بأحدث التقنيات القتالية المتطورة وأغمضت عينيها عن كل الجرائم المرتكبة ضد شعبنا وفى ذات الوقت فتحت عيونها بشكل فاضح على كل ممارسة عسكرية فلسطينية مهما قل شأنها أو كبر , فقد انتبهت تلك القوى الكبرى للصواريخ البسيطة المتواضعة فى التصنيع والتأثير التى تسقط على المناطق الخالية فى إسرائيل ولكنها لم ترى قصف الدبابات والطائرات العسكرية والبوارج الحربية والاغتيالات وغيرها من الجرائم , لكل ما سبق فقد أرادت إسرائيل أن يبقى الصراع محصورا فى هذا المربع لأنه يحقق لها الكثير من الإنجازات ومن خلاله تستطيع تسويق أكاذيبها الأمنية بكل سهولة على أصحاب القرار فى هذا المجتمع الدولي .


ثانيا / المربع السياسي : هذا المربع القوة فيه لمن يملك أوراق الفعل السياسي أكثر , ونحن من خلال هذا المربع نملك القوة الأكبر لأن قضيتنا حازت على اعتراف معظم دول وشعوب العالم بأنها قضية عادلة وحق شعبنا فى تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة , معنا الدول العربية والإسلامية والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين ودول شرق آسيا ودول أمريكا اللاتينية وأنصار السلام داخل الكيان الإسرائيلي وداخل الولايات المتحدة الأمريكية , وعندما نجحنا وللمرة الأولي - مستغلين حرب الخليج - فى جر الكيان الإسرائيلي و, وعندما نجحنا وللمرة الأولي - مستغلين حرب الخليج - فى جر الكيان الإسرائيلي وإدخاله فى قلب هذا المربع اختلفت معادلة الصراع بشكل مباشر ولم نعد نحن من يدفع الدماء دون مقابل بل جلسنا فى مقابلهم وبدأنا نفاوض ونحقق الإنجازات على الأرض دون أن ندفع ثمنا لشيء , وبدأنا نتقدم ونحقق وجودنا الرسمي على الأرض وعدنا الى أرضنا بعد أن كانت إسرائيل تعمل على إخراجنا منها لتنفرد فيها , وأصبحنا أقرب ما نكون من تحقيق جزء من حلمنا التاريخي بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة لأول مرة فى تاريخ شعبنا على جزء من أرضنا الفلسطينية , حتى كانت مفاوضات كامب ديفيد بين الوفد الفلسطيني بقيادة الرئيس الشهيد ياسر عرفات والوفد الإسرائيلي برئاسة أيهود براك برعاية الرئيس الأمريكي بيل كلينتون وهناك كانت نقطة التحول لدى العقلية الإسرائيلية وكأنهم استفاقوا من كابوس كان يلفهم حيث استشعروا خطورة استمرار الفعل السياسي على مستقبل دولتهم حيث بدأت المفاوضات الجادة لإيجاد الحلول للملفات الساخنة - اللاجئين والقدس والحدود والمياه والأسرى - , فكان القرار لدى قادة الكيان الإسرائيلي بضرورة العودة الى المربع العسكري الذي يتمتعون فيه بالقوة ويملكون فيه ما لا يملكونه فى المربع السياسي , فكانت الخطة المتفق عليها بين براك وشارون بقيام الأخير بزيارة للمسجد الأقصى فى سبتمبر 2000 وكان الهدف منها استفزاز مشاعر الشعب الفلسطيني وجرهم الى المواجهة العسكرية , وهكذا عدنا الى المربع العسكري ولم تنجح كل محاولات القيادة الفلسطينية فى احتواء الموقف بسبب رفض الكيان الإسرائيلي لكل المبادرات والحقيقة أنهم نجحوا فيما أرادوا أن يصلوا له .

لذلك كانت صرخات الرئيس محمود عباس القوية والصريحة والواضحة فى ضرورة اللجوء فقط للمقاومة السلمية وضرورة وقف إطلاق الصواريخ وعدم اللجوء للعمل العسكري مهما كانت الظروف وعدم استخدام سياسة رد الفعل لما يقوم به الاحتلال من ممارسات , كانت منسجمة تماما مع مدرسته التى آمن بها , هذه المدرسة السياسية كانت قبل فترة ليست بعيدة مدرسة متهمة وغير مقبولة ولكن اليوم انضم إليها الكثيرين الذين هاجموها فى الفترات السابقة .

واليوم عندما يصر الرئيس محمود عباس فى الذهاب الى الأمم المتحدة ومجلس الأمن وتقديم طلب قبول عضوية دولة فلسطين فيها فهو يمثل تلك المدرسة السياسية التى يؤمن بها , ومن خلال خطابه العظيم الذي ألقاه فى الأمم المتحدة فقد خطا خطوة كبيرة فى إجبار الكيان الإسرائيلي من جديد للدخول للمعركة داخل المربع السياسي وأدخل معها حلفاءها , وهو يكرر فى ذات الوقت حتى لو فشلت خطواتنا فى الأمم المتحدة لن يكون خيارنا عسكريا بل المقاومة السلمية لأنه يدرك معنى العودة للمربع العسكري , وهو صاحب نظرية المربع السياسي الذي نمتلك فيه كل مقومات القوة لتحقيق الإنجازات بأقل الخسائر .