التكتيك الفلسطيني الحذر
2011-10-03 15:25:00
المتتبع لتطور الاحداث في الساحة الفلسطينية قبل التوجه والقاء الخطاب في الجمعية العامة للامم المتحدة، اكتشف ببساطة ودون شطارة أو معلومات، انه لولا إصرار الرئيس محمود عباس على تقديم طلب العضوية الكاملة للدولة الفلسطينية على حدود 67 للأمين العام للامم المتحدة، لما امكن تحقيق تلك الخطوة المهمة. لأن هناك فريقا فلسطينيا بالتعاون مع فريق عربي ودولي، حتى لو لم يعلن عن ذلك بشكل رسمي حاول، وما زال يحاول إقناع الرئيس ابو مازن ان «يهدئ» اللعب مع الرباعية والاميركان والاسرائيليين. ولأنصار هذا الفريق وجهة نظر من حيث المبدأ بالتوجه للأمم المتحدة، تقوم على رفض هذه الخطوة، لأنها من وجهة نظرهم، تعقد الامور، ولا تساعد عملية التسوية السياسية، على افتراض ان الاميركيين ليست المرة الاولى، التي ينكثون فيها بتعهداتهم تجاه قضايا العرب والفلسطينيين. وتقدير انصار هذا الاتجاه من الفلسطينيين، اللعب بالاوراق الممكنة تكتيكيا إلى ان تتغير
المعادلة السياسية. وبعضهم بحكم ارتباطاته مع المؤسسة الاميركية لديه موقف منحاز للولايات المتحدة.
وهذه المجموعة تقاطعت مع بعض العرب، الذين جاؤوا لمقر الرئيس في نيويورك ( بعض عرب الاعتدال والتطرف في آن من مجلس التعاون الخليجي) وبعض دول المغرب العربي، وبعض العرب أعلن عن رفض توجه الرئيس محمود عباس بحياء وفي منابر غير رسمية، وان كان الذين صرحوا بالموقف شخصيات رسمية.
طبعا الجميع بعدما شاهدوا الاعجاب العالمي بخطاب رئيس منظمة التحرير الفلسطينية التاريخي يوم الـ 23 ايلول/سبتمبر الماضي، تراجعوا نسبيا، و«حجوا» الى مقر الرئيس فلسطينيين وعربا ليشدوا على اياديه، ويباركوا ما جاء في خطابه، لا بل ان بعضهم حاول ان يبرر موقفه لعدم تحميله أية مضاعفات. حتى اولئك «فرسان» ما قبل التوجه للامم المتحدة، جاؤوا يهددون ويتوعدون باجراءات غير مسبوقة، ولكنهم بعد الخطاب جاؤوا الى ابو مازن وباركوا خطابه، وكأن لا شيء حصل. وبعض الفلسطينيين حج الى مقر إقامة رئيس السلطة الوطنية بعد عودته الى رام الله. ما يشير الى كيفية التلون السياسي، والانتهازية في التعاطي مع الموقف السياسي.
لكن انصار هذا الفريق الانتهازي التهادني، لم يتراجعوا عن توجههم، ليس لأسباب موضوعية، إنما لاعتبارات شخصية، وايضا بسبب ارتباطاتهم الاخرى، التي تحدد لهم توجهاتهم السياسية. واستمروا من فوق الطاولة، ومن تحتها في الضغط على الرئيس محمود عباس، لعدم الاستمرار في مواصلة معركة مجلس الامن والجمعية العامة لنيل العضوية، ولهذا اسرعوا في التقاط بيان الرباعية الصادر في ذات يوم خطاب الرئيس محمود عباس في الامم المتحدة، «ليتشعلقوا» به، من خلال «تزويق» البيان، وإظهاره بما لا يحمله من مضامين. ولم يميز البعض بين حدود المناورة لقطع الطريق على تكتيك حكومة اقصى اليمين الصهيوني وحلفائهم الاميركيين، وبعض الاوروبيين الغربيين، وبين التوجه الهادف، الى اشتقاق رؤية سياسية جديدة، تعيد الاعتبار للقضية الوطنية الفلسطينية. رؤية تعتمد خيار السلام والتسوية السياسية والكفاح الشعبي السلمي، لكنها رؤية غير مخصية، ولا مقيدة بكوابح الادارة الاميركية واقطاب الرباعية واسرائيل. رؤية تحركها اولا وثانيا.. وعاشرا المصالح الوطنية العليا للشعب. بعد ان اعطت القيادة الفلسطينية كل ما لديها من صبر وأناة وطول بال، وتحملت عنصرية وغطرسة ووحشية دولة الابرتهايد الاسرائيلية وتساوق اميركا معها بإداراتها المتعاقبة ثمانية عشر عاما من المفاوضات العبثية. لكن دون جدوى، حتى فاض الكيل، ولم يعد على العين قذى، لتخجل او لتبقى القيادة في حالة المراوحة والتبعية للموقف الاميركي، الذي لا يرى سوى كيفية تغطية جرائم الاحتلال الاسرائيلي، والتستر على مماطلة وتسويف حكومة ائتلاف اقصى اليمين الاسرائيلية، التي التهمت الارض والحقوق الوطنية، ونسفت عمليا إمكانية وجود دولة فلسطينية مستقلة على حدود 67، وعزلت وهودت القدس الشرقية، عاصمة الدولة الفلسطينية.
منطق الاشياء يحتم على القيادة الحكيمة ان تبحث عن بصيص أمل هنا او هناك، ولكن ليس كيفما كان، ولا على أي اساس. الجميع في القيادة، يدرك ان الولايات المتحدة أصرت على تضمين بيان الرباعية الاعتراف الفلسطيني بـ «يهودية» الدولة الاسرائيلية، مع ان الرئيس ابو مازن حينما التقى مع الرئيس اوباما، ابلغه بشكل قاطع ان لا مجال ومن المستحيل الاعتراف بهذا الشرط. وحين تدخل وزير الخارجية الروسي لافروف ضد الشرط الاميركي، أصرت هيلاري كلينتون على عدم تضمين البيان او المبادرة نصا صريحا عن حدود الرابع من حزيران 1967. كما لم يتضمن البيان وقف الاستيطان ولا حتى مرجعيات التسوية، وذكر بعض القرارات الدولية، ليس اكثر من ذر الرماد في العيون الفلسطينية. النتيجة ان بيان الرباعية غير قابل للتحقيق، حتى اسرائيل، التي رحب وزير خارجيتها ليبرمان لاول مرة ببيان للرباعية، تعمدت حكومته الاقصوية وخاصة الكابينيت المصغر الثماني عدم الاعلان عن قبول البيان، لغرضين للتسويف والمماطلة، وايضا للضغط على الفلسطينيين في إعلان موقف واضح للتراجع عن طلب وقف الاستيطان، وبالتالي العودة للمفاوضات وبنفس الطريقة السابقة على توجه القيادة الفلسطينية للامم المتحدة، إن لم يكن اسوأ من السابق. وفي ذات الوقت ردت حكومة نتنياهو عمليا على بيان الرباعية بإعلان عطاء بناء (1100) وحدة استيطانية جديدة في مستعمرة جيلو. الامر الذي يشير الى ان « الايجابيات» التي لاحظها بعض الفلسطينيين والعرب دون الاعلان عن ذلك، ليست سوى شكل من اشكال التراجع عن التوجه الايجابي، الذي شقه الرئيس محمود عباس، وفي ذات الوقت، الضغط على رئيس المنظمة للتعاطي الايجابي مع البيان على حساب المصالح العليا للشعب. مع ان القاصي والداني يعلم ان اسرائيل ومعها اميركا ليستا في وارد تقديم الحد الادنى من التنازل لدفع عربة التسوية للامام. الامر الذي يفرض على القيادة وفي مقدمتها الرئيس عباس التخندق في خنادق السلام، ولكن السلام الايجابي، الرافض التساوق مع النهج القديم، ودليل جديد على الموقف الاميركي المعادي لمصالح الفلسطينيين، ما اعلن عن تجميد الـ (200) مليون دولار، ووقف فعليا العديد من المشاريع الاميركية في الاراضي الفلسطينية، ما يؤكد السياسة غير الايجابية، او السياسة المتواطئة مع الاحتلال الاسرائيلي وتأييده.
لذا على القيادة ان تتريث قبل ان يندلق البعض نحو الهاوية، ويأخذ الشعب معه دون ان يدري. اللحظة السياسية تحتاج الى مزيد من الحكمة والشجاعة والمناورة الذكية لايقاع اميركا واسرئيل في شرور اعمالهم وسياساتهم العبثية.