الموقف من الدولة الفلسطينية يعمّق إخفاق أوباما!

2011-10-13 08:56:00
نابلس - 13 تشرين الأول 2011 - (شبكة راية الإعلامية ):

بذلت السلطة الفلسطينية منذ أكثر من عامين جهودا ديبلوماسية مكثفة لحشد تأييد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لأي طلب من الممكن أن يتقدم به الفلسطينيون للمنظمة الدولية، حيث وصل عدد الدول التي أعلنت اعترافها المسبق بالدولة الفلسطينية حوالي 114 دولة.
ويحتاج الفلسطينيون إلى اعتراف 130 دولة للحصول على التأييد اللازم للمطالبة بالعضوية في الأمم المتحدة، وعليهم بعد ذلك ممارسة نشاط ديبلوماسي آخر طوال العام المقبل بهدف دفع الأمم المتحدة للتوصية لمجلس الأمن بالاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة.
غير أن الولايات المتحدة الأميركية، التي تلوّح باستخدام حق النقض (الفيتو) ضد أي طلب فلسطيني بشأن الاعتراف بالدولة الفلسطينية، تحاول دفع الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي للجلوس مجددا على طاولة المفاوضات وتجنب المعركة الديبلوماسية في الأمم المتحدة. لكن وحتى لو حصل الفلسطينيون على اعتراف بالدولة الفلسطينية فإن هذا الأمر لا يعني لهم نهاية المطاف مادام الاحتلال الإسرائيلي قائما في فلسطين المحتلة، وإن كان الاعتراف بالدولة الفلسطينية في حال حصوله سيضفي شرعية للمقاومة الفلسطينية الشعبية ضد إسرائيل أمام المجتمع الدولي، وهو ما سيزيد الضغط الدولي على إسرائيل بوصفها قوة احتلال لدولة أخرى، الأمر الذي سيعجل بمسألة استقلال الدولة الفلسطينية.
في الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأميركي باراك أوباما أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 21 أيلول 2011، والذي أوضح فيه بطريقة مباشرة لا لبس فيها اصطفاف الولايات المتحدة الأميركية على أرضية الموقف الإسرائيلي الرافض الاعتراف بالدولة الفلسطينية، أثبت أوباما عجزه التاريخي عن الوقوف أمام قوة اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة. إنها لحظة صراحة كبيرة، فخطاب أوباما كان صهيونيا ً أكثر من خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وهو ما دفع صحيفة هآرتس إلى وصف أوباما بـ"الرئيس اليهودي الأول".
لقد خيب خطاب الرئيس الأميركي باراك اوباما أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة آمال الشعب الفلسطيني، حين قطع الطريق كلياً على خطوة الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي تقدم بطلب انضمام فلسطين دولة كاملة العضوية إلى المنظمة الدولية، بينما كان أوباما نفسه قبل ثلاث سنوات، قال في خطابه الشهير في جامعة القاهرة (9حزيران 2009)،إن "الوضع بالنسبة للفلسطينيين غير مقبول" مُشّدِداً على أن أميركا لن تدير ظهرها للتطلعات المشروعة للشعب الفلسطيني إلى دولة خاصة به".. وأكد أن "الولايات المتحدة لا تعتبر استمرار بناء المستوطنات (في الأراضي الفلسطينية) شرعياً". وتعهد بأن "يتابع شخصياً" الجهود من أجل تسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على أساس حل الدولتين.
لم يقل الرئيس أوباما في خطابه إن "القدس عاصمة للدولتين" في سياق تأكيده على حل الدولتين. وبهذا المعيار ظل موقفه سياسياً دون موقف الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي دعا بوضوح وعلى منبر الكنيست الإسرائيلي إلى جعل المدينة عاصمة للدولتين: إسرائيل وفلسطين. كما أن الرئيس أوباما الذي سعى إلى إقامة جسر مع العالم العربي والإسلامي، حدّد موقفاً بارزاً في خطابه، حين أعلن فيه أن "الولايات المتحدة الأميركية لا تقبل مشروعية استمرار المستوطنات الإسرائيلية"، أي رفض استمرار الاستيطان كلياً.
فقد بدأ أوباما إدارته بالتزام واضح بإيجاد حل لقوس أزمات الشرق الأوسط، وفي القلب منه تسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. لكن خطته التي انتظرها الكثيرون بكثير من الأمل والتمني والصبر، مالت هي الأخرى مرة ثانية لصالح إسرائيل على حساب الفلسطينيين مع ما خلّفه ذلك من خيبة في نفوس المراقبين الدوليين. وكان الرئيس أوباما أراد أن ينتهز الظروف الدولية المناسبة مع تراجع قوة اللوبي الصهيوني الواقع تحت هيمنة أيديولوجية حزب الليكود اليميني، المؤيدة للاستيطان وظهور تنظيمات يهودية جديدة أكثر ليبرالية متعاطفة مع أوباما وخطاب التغيير، وهذا شجعه على طرح خطته القائمة على تقديم تنازلات متبادلة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، تجبر الأولى احترام ما جاء في خطة الطريق من وقف للمستوطنات التي تشكل عائقاً بنيوياً أمام التسوية مقابل بحث الفلسطينيين للقضايا الأمنية التي تمثل هاجساً للإسرائيليين.
إن مطالبة الفلسطينيين إسرائيل بالانسحاب إلى حدود 1967، وعودة اللاجئين إلى فلسطين، والسيطرة على جبل الهيكل، مرفوضة من جانب إسرائيل اليوم. وسبق أن حصلت إسرائيل على موافقة أميركية صامتة على ضم الكتل الاستيطانية الكبرى إلى داخل كيانها، ومن العسير أن تتخلى عن وادي الأردن لأسباب استراتيجية. فقد أجمع القادة الإسرائيليون على أن حدود إسرائيل الاستراتيجية هي عند نهر الأردن (إذ إن كل الوادي مُعلن "منطقة محظورة") ويؤدّي قضم المنطقة الوسيطة، في بعض الأمكنة، إلى التواصل الفعلي بين الضفتين.
إن إسرائيل سوف تربط موافقتها على نشوء دولة فلسطينية بالتزام فلسطيني موثق بإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بما يقتضي الاعتراف لإسرائيل بحقوق ـ سوف تعينها في المفاوضات ـ وبشكل مطلق في فلسطين التاريخية، وبما ينهي أي مطالب سابقة أو لاحقة للفلسطينيين تجاه إسرائيل، مثل تطبيق القرار رقم 181 الخاص بتقسيم فلسطين (1947)، والقرار 194 لعام 1948 الخاص بعودة اللاجئين أو العودة لخطوط الهدنة لعام 1949، وسوف تراقب إسرائيل مدى التزام النظام الفلسطيني بعدم التحريض ضد إسرائيل بأي معنى من المعاني.
أمّا الطلب الذي تقدمت به السلطة الفلسطينية، بقبول فلسطين دولة كاملة العضوية ضمن الحدود العام 1967، كخطوة أولى نحو الإعلان عن استقلال الدولة الفلسطينية، فسيواجه بالرفض في مجلس الأمن بسبب الفيتو الأميركي، وسبق وأن أعلنت منظمة التحرير الفلسطينية عن هذه الدولة المستقلة في العام 1988، وتمّ الاعتراف بها من قبل أكثر من مئة دولة. لكن حتّى وإن اعترف الاتحاد الأوروبي بالدولة الفلسطينية المستقلة، فهل هو مستعدٌّ لتحمّل نتائج ذلك والتعامل مع إسرائيل على أنّها قوّة احتلال يجب معاقبتها لإرغامها على إخلاء الدولة التي تحتلّها؟