ما عرفناه عن حماس
قالوا لنا ان حماس عصابة متعطشة للدم؛ وقالوا لنا انه لا يوجد من يُتحدث إليه؛ وقالوا لنا ان استخباراتنا هي الأفضل في العالم وأننا نعلم كل شيء عن تلك العصابة القاسية (غير مشتمل ذلك على مكان أسر جلعاد شاليت). وإن تعجب فعجب قولهم ان الحكومة الأكثر يمينية في تاريخ الدولة أجرت تفاوضاً جدياً مع هذه العصابة الأصولية، وتوصلت معها إلى اتفاق جدي وإذا لم يكن هذا كافيا ـ فقد تبين فجأة أيضاً ان كلمة «العصابة» كلمة والاتفاق معها اتفاق. لكن تعالوا نُسكن النفوس فوراً بالقول انه يمكن الاعتماد على إسرائيل ألا تفضي صفقة شاليت إلى أي تطوير للعلاقة بحماس. فالبحر نفس البحر، والعرب نفس العرب وحماس نفس حماس في نظر إسرائيل (والولايات المتحدة)، بعد الاتفاق أيضاً.
يمكن الاعتماد على إسرائيل ألا تغير شيئا في تفكيرها، لأنه في ذروة صفقة الأسرى استمرت هنا، بكامل قوتها وقبحها، حملات غسل الأدمغة والتخويف والشيطنة وسلب الإنسانية. فالأسرى الـ 1027 كلهم غيلان بشرية، والإفراج عن كل واحد منهم، وفيهم سامي يونس ابن الثانية والثمانين، خطر يمشي على قدميه.
ان كل محاولة لفهم فرح عائلات الأسرى الفلسطينيين المحررين، وبعضهم بعد عشرات السنين من السجن، لاقت رشقات احتقار وزخات كراهية قومية: فلشاليت وحده عائلة والفرح في إسرائيل وحدها. ان كل مقدم برامج في التلفاز أطلق لسانه بكلام بذيء إزاء احتفالات الفرح في غزة. تخيلوا فقط ماذا كان سيحدث لو أن تالي أخبار واحداً حاول ان يقول العكس وهو انه ربما يكون حسنا ان يسود الفرح لأول مرة في الآن نفسه، في غزة ومتسبيه هيلا.
قُرن بعمود العار فوراً كل من حاول ان يزعم ان الطرفين لهما دماء على الأيدي، وانه يوجد بين الأسرى الفلسطينيين أيضاً من حُكم عليهم بعقوبات سجن قاسية ليس فيها أي تناسب، وان ظروف سجنهم أصعب من ان تحتمل أيضاً، بلا عطلة أو مكالمة هاتفية واحدة مدة عشرات السنين، ومن غير زيارات العائلة أحياناً مدة سنين؛ وانه يمكن في إسرائيل قتل سبعة فلسطينيين والخروج لعطل متوالية، وإنشاء عصابة إرهاب يهودية سرية والتحرر في طرفة عين، وتحطيم جماجم مخربين مقيدي الأيدي وأن تحظى بعفو بلا محاكمة. في دولة القانون تلك، من نقل مخربا قبل ثلاثين سنة يجب ان يمكث في السجن مؤبداً، ومن قتل فلسطينيين يُعفى أحياناً حتى من المحاكمة. ان جميع الأسرى المحررين الـ 1027 هم «قاتلون». فهل سمعتم مرة عن «قاتل يهودي»؟ عامي بوبر مثلاً؟.
ان يورام شكولنك ـ وهو ليس «قاتلاً»ـ قتل فلسطينياً مقيداً وأُفرج عنه بعد أٌقل من ثماني سني سجن. وإسرائيلي آخر هو كريم يونس الذي نقل ماهر يونس الذي قتل جندياً، ما زال يمكث منذ 29 سنة في السجن، بلا عطلة واحدة وبلا مكالمة هاتفية واحدة وحتى من غير أن تُحدد عقوبته. ومثله أيضاً الإسرائيلي وليد دقة الذي لا يمنحونه حتى ان يخلو بزوجته. فمن يتجرأ على ذكر هذا في بحر مديح الذات.
تأثر القلب عندنا كثيراً بمشاعر العائلات الثكلى التي قتل المخربون الذين أُخلي سبيلهم في الصفقة، أعزاءها، فماذا عن العائلات الفلسطينية الثكلى التي قتل أعزاءها إسرائيليون، ولم يُحاكم قاتلوهم أو مكثوا فترات سجن تثير السخرية؟ ما الذي يفترض ان تشعر به؟ إياكم حتى وأن تسألوا.
في خضم موجة الفرح الإسرائيلية المفهومة والمحقة كان هناك مكان لأن نوجه ولو للحظة نظرة إنسانية نحو الجانب الثاني أيضاً. فهناك أيضاً يوجد بشر وفيهم فريق من الأسرى وأبناء عائلاتهم، ذوو مشاعر وحقوق. كان من المناسب ألا يُفرج عن بعض هؤلاء الأسرى أبدا، لكن يوجد بينهم أيضاً من كان يجب الإفراج عنهم منذ زمن لو أنه سادت المساواة جهاز القضاء الإسرائيلي ولو أنه أيضاً سادت الحكمة لوجب جعل الصفقة أداة لتغيير الجو. ماذا كان سيحدث لو أُفرج مثلا عن حفنة الأسيرات اللاتي لم تشتمل عليهن الصفقة خطأ؟ وماذا كان سيحدث لو أُفرج أيضاً عن مروان البرغوثي واحمد سعدات تفضلا على المعسكر المعتدل؟ وماذا تستطيع إسرائيل ان تقول لمن يدعون الآن إلى معاودة اختطاف جنود؟ أأنه يوجد احتمال لأن يُفرج عن الأسرى المؤبدين الفلسطينيين بطريقة أخرى؟.
ان من يُثر في إسرائيل هذه الأسئلة المثقلة فالحكم عليه واحد. فنحن تكفينا حقيقة واحدة، واحدة ووحيدة ليس غير.