قبل الهجوم على ايران

2011-11-02 21:54:00
يقع الجهاز الامني في الحال المعتادة عن يمين الجهاز السياسي. والسبب واضح: فالمطرب يريد ان يغني، والأديب يريد ان يكتب، وقائد الكتيبة يريد ان يحرك الطوابير. ان قول موشيه ديان انه يفضل ان يكبح خيلا منطلقة على حث بغال كسولة لم يتناول فقط مرؤوسه أوري سمحوني. فهذه هي البنية المكررة في التاريخ العالمي. في احيان نادرة فقط تنقلب الامور رأسا على عقب ويجد الجهاز العسكري نفسه أكثر اعتدالا واتزانا من الجهاز السياسي. وفي الكثرة المطلقة من هذه الحالات في التاريخ أو فيها كلها في واقع الامر وليس الحديث فقط عن ثلاثينيات القرن العشرين، انتهى الامر الى كارثة. والسبب البسيط لذلك ان الجهاز الامني ليس مبنيا ليكون كابحا لقيادة متطرفة زمنا طويلا.
مما يحزن القلب ان اسرائيل قُبيل شتاء 2011 موجودة في هذا الوضع النادر الخطير. وهكذا الحال حينما يكون الحديث عن السلطة الفلسطينية: فجهاز الامن كله مع قادته في الحاضر والماضي يوصون بالسير نحو أبو مازن. وهو يعترف بـ 'معجزة' السنين الاخيرة، التي فيها أُقر في الضفة سلطة تتمتع بأكثرية وتعمل في حزم على مواجهة الارهاب. وفي المقابل، يمضي الجهاز السياسي، على علم، متتبعا الكلام المعلن للمستوطن ايفيت ليبرمان ويفعل كل شيء للاضرار بالشريك الفلسطيني المعتدل، وهذا عن ادراك ان الطريقة الوحيدة للحفاظ على المستوطنات وعالمها المسيحاني هي الاهتمام بتقوية قيادة فلسطينية متطرفة 'لا يمكن التحادث معها'.
وهكذا الحال، وعلى نحو أشد حينما نتحدث عن ايران. فجميع قادة الأذرع الامنية رئيس هيئة الاركان ورئيس الموساد ورئيس 'الشباك' ورئيس 'أمان' ورئيس لجنة الطاقة الذرية ممن يتولون اعمالهم الآن وممن تولوها قبل أحقاب يعارضون وبشدة هجوما على ايران الآن، أما بنيامين نتنياهو واهود باراك فيُخيل اليهما انهما يستطيعان وحدهما أن يجرا شعبا كاملا الى معركة طويلة كثيرة الضحايا.
كانت صورة هذا الاسبوع هي لقاء نتنياهو بعد منتصف الليل مع الحاخام عوفاديا يوسف وايلي يشاي واريئيل آتياس، وقد أُبعدت الهواتف المحمولة كما ينبغي للقاء سري وأُبعد ايضا نتان ايشل المتدين القومي عن مخبئه قرب المكتبة. بيد أنه لا يفترض ان يقنع نتنياهو الحاخام الشيخ والمتطرف بضرورة الهجوم الآن بل قيادة الجهاز الامني في الحاضر والماضي، وأكثرية مواطني اسرائيل واصدقائها في الغرب.
وجه كاتمون متطرفون تعوزهم مرآة شكاوى من تونس حيث فاز حزب اسلامي معتدل بـ 41 في المائة من مقاعد البرلمان، وينشيء ائتلافا مع احزاب يسارية وليبرالية. لكن أكثر من 45 في المائة من مقاعد الكنيست في اسرائيل تعود لاصحاب تصورات دينية متطرفة ومسيحانية معادية للديمقراطية أو عنصرية. هكذا الـ 23 نائبا من شاس ويهدوت هتوراة والبيت اليهودي والاتحاد الوطني، وهكذا اسرائيل بيتنا ونصف اعضاء الليكود مثل داني دنون وياريف لفين واصدقائهما. وبخلاف تونس، فان عناصر ليبرالية غير موجودة في الائتلاف، وليس عجبا ان أعلن وزير العدل انه يعمل على جعل الشريعة اليهودية هي القانون الاسرائيلي، ويأتي أكثر مستشاري رئيس الحكومة من عالم ديني متطرف يؤيد االمستوطنات وهو مصاب بالمسيحانية.
اعتاد اهود باراك ان يتحدث عن الثلاثي الذي يخدم ويعمل ويدفع الضرائب. وهذا الثلاثي يفترض الآن ان يتلقى الصواريخ وتنبؤات الوزير متان فلنائي بآلاف المصابين. ان الملجأ الذري الضخم والباهظ الكلفة الذي سيشتمل على جميع وزراء الحكومة وربما على عائلاتهم ومقربيهم ايضا ليس خيارا للمواطنين؛ وكذلك ايضا الملجأ الذي يُعدونه في المستوطنات التي لا يفترض ان تتلقى صواريخ؛ وكذلك الاماكن التي عُثر فيها في المركز من اجل الحفر والدفن السريع للقتلى لمنع انتشار الأوبئة ليست خيارا مبهجا.
ان الأنباء التي تتدفق من أعالي الجهاز عن احتمال عملية قبل الشتاء بلحظة يمكن ان تستخدم حيلة لتخويف العالم، بصعوبة. لكنها تُعود ايضا على فكرة الهجوم. وأشد من هذا انه من المغري الالتفاف على معارضة القيادة الامنية بنقاش متعجل مضغوط ومزور 'وكأنه اللحظة الاخيرة قبل الغيوم' مثل الحديث مع الحاخام يوسف في حين ان مكوث الامريكيين الاشكالي في العراق قد يستخدم اغراءا لمحاولة جرهم الى معركة تخالف رغبتهم باعتبارهم وقع عليهم هجوم. يجب على القوى المتزنة ان تضغط على الكابح ازاء التاريخ.