لجنة العضوية التابعة لمجلس الأمن تحاول توفير الحماية الأخلاقية للولايات المتحدة

2011-11-19 09:20:00
نابلس (شبكة راية الإعلامية ):

أعلنت لجنة العضوية التابعة لمجلس الأمن يوم الجمعة 11/11/2011 إخفاقها في الاتفاق على قبول طلب دولة فلسطين العضوية في الأمم المتحدة بعد أن حسمت البوسنة والهرسك موقفها وصوتت سلبا، فحجبت بذلك الصوت التاسع المطلوب لكي يصبح مشروع قرار الطلب أمام مجلس الأمن لبحثه واتخاذ قرار بشأنه، وهذا يعني أن الجولة الأولى من محاولات نيل العضوية في الأمم المتحدة لدولة فلسطين قد انتهت في وقت مبكر، كما أرادتها لها الولايات المتحدة الأميركية تلبية لرغبة إسرائيل. وبذلك تكون الولايات المتحدة قد أنهت ما كان يؤرقها في وصول مشروع قرار طلب العضوية إلى المجلس لبحثه والتصويت بشأنه واضطرارها في هذه الحالة لاستعمال حق النقض الفيتو لإبطاله، وهذا ما كانت تحاول الولايات المتحدة أن تتجنبه كي لا تبدو كأنها هي الدولة الوحيدة التي ترفض عضوية فلسطين، رغم اكتمال المعايير والشروط المطلوبة، فيتسبب ذلك في ازدياد عزلتها أمام المجتمع الدولي، وتأجيج مشاعر الكراهية لها في منطقة الشرق الأوسط والعالم، في وقت تسعى فيه إلى تنظيف صورتها المتسخة مما علق بها بعد حربها غير المبررة على العراق، وحربها المستمرة في أفغانستان، والتأييد اللامحدود لإسرائيل، وتراجعها المهين عن مواقفها السابقة حول عدم شرعية الاستيطان، وإعلان الرئيس أوباما وأمله بأن يرى دولة فلسطين عضوا في الأمم المتحدة أمام الجمعية العامة في العام الماضي.

إذن تحررت الولايات المتحدة الآن من كابوس استعمال حق النقض ضد مشروع قرار يقضي بمنح دولة فلسطين العضوية الكاملة في الأمم المتحدة.

إن المحاولات الأمريكية التي بذلت بوتيرة عالية على مدى الشهور السابقة للحيلولة دون وصول طلب عضوية الدولة إلى مجلس الأمن قد حققت أمرا واحدا فقط هو التعثر المؤقت لطلب العضوية، ولكنها لم تنجح في إنقاذ سمعة وشرف وأخلاق الولايات المتحدة الأميركية، التي مرغتها الولايات المتحدة نفسها بالتراب عندما انصاعت هذه الإدارة لطلب الكونغرس بمعارضة طلب انضمام دولة فلسطين إلى الأمم المتحدة رغم تأييد غالبية دول العالم لذلك، ومن ثم إجهاض الطلب قبل وصوله إلى المجلس وهو ما زال أمام لجنة العضوية باستعمال كل أنواع الضغوط على الدول، والتهديد والترغيب لإبقاء طلب العضوية محدود التأييد بأقل من تسعة أعضاء في مرحلة ما قبل طرحه على مجلس الأمن لاتخاذ قرار بشأنه.

ليس مهما أن يتعثر طلب العضوية الكاملة لدولة فلسطين في لجنة العضوية، ولكن المهم هنا هو ما يمكن أن يسفر عنه مخاض هذه المرحلة من وضع قانوني للدولة في الأمم المتحدة، هل هي دولة أم لا؟ وبأية صفة يتعامل المجتمع الدولي معها، وهل يتعامل معها كدولة أم لا؟ وهنا يجب أن ندرك أهمية الفرق بين العضوية للدولة في الأمم المتحدة، وهي أهمية كبيرة، وبين تعامل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي مع الدولة كدولة بغض النظر عن كونها عضوا كامل العضوية في الأمم المتحدة أم لا، وهو أيضا أمر بالغ الأهمية، وقد يفوق في أهميته مسألة العضوية الكاملة، لأن العضوية في الأمم المتحدة من ناحية، والدولة كحقيقة يتعامل معها المجتمع الدولي كدولة من ناحية أخرى، هما أمران منفصلان عن بعضهما تماما، بمعنى أنه قد تكون هناك دولة على درجة كبيرة من الأهمية ولكنها لسبب أو لآخر ليست عضوا في الأمم المتحدة، كما كانت الصين قبل دخولها إلى الأمم المتحدة، أو سويسرا أيضا، وتبرز أهمية ذلك في الحالة الفلسطينية بشكل واضح. ولكي نتأكد من هذه الحالة دعونا ننظر إلى موقف إسرائيل مثلا من مسألة الدولة الفلسطينية على المستويين النظري والعملي، وهل إسرائيل ترفض عضوية الدولة في الأمم المتحدة أم ترفض الدولة الفلسطينية من الأساس؟



على المستوى النظري

واضح من خلال المواقف الإسرائيلية ومعها المواقف الأميركية على مدى عشرات السنين من العمل مع الأمم المتحدة وباقي المحافل الدولية أن إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية كانتا دوما وحتى هذه اللحظة معارضتين لحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، ولما كانت الدولة هي التعبير والتجسيد السياسي والقانوني والواقعي لحق تقرير المصير، فإن رفض حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني عند الإسرائيليين والأميركيين كان دائما يعني رفض ما يترتب عليه من نتائج حتمية أيضا، وأول هذه النتائج وأهمها هي الدولة الفلسطينية لكونها تجسد الواقع الديمغرافي والجغرافي والسياسي والقانوني لحقيقة المجتمع الفلسطيني.



على المستوى العملي

إسرائيل مستمرة بممارساتها الاستيطانية، والاستيلاء على الأرض الفلسطينية يوما بعد يوم بهدف إنهاء أية إمكانية لوجود الدولة الفلسطينية وذلك بنزع أهم عامل من عوامل تكوين الدولة وهو الأرض أي الإقليم.

إذن إسرائيل تعمل نظريا وعمليا كي لا تظهر الدولة الفلسطينية على الأرض، لأن في ذلك نسف للنظرية الصهيونية التي نشأت إسرائيل على أساسها وهي (إسرائيل بديل لفلسطين واليهود بديل للشعب الفلسطيني)، فإذا جاء المجتمع الدولي ليؤكد اليوم حقيقة وجود الدولة الفلسطينية والتعامل معها كدولة سواء كانت عضوا كامل العضوية في الأمم المتحدة أو لم تكن كذلك، فإن المجتمع الدولي يشهر اليوم خطأ المنهج الاستعماري لدول الحلفاء المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، بما في ذلك بالطبع اتفاقية 'سايكس بيكو' الإنجليزية الفرنسية، ووعد بلفور البريطاني، وبالتالي يشهر بطلان كل ما ترتب على ذلك، لأن ما يبنى أو ينشأ على باطل فهو بالتأكيد باطل، وإذا أخذنا بالاعتبار أن إسرائيل قد أوجدت بناء على ذلك كله، ندرك تماما إذن لماذا قال نتنياهو رئيس حكومة إسرائيل إن ما يسعى إليه الفلسطينيون في الأمم المتحدة هو حرب على إسرائيل ونزع الشرعية عنها.



لذلك كان التوجه الفلسطيني إلى الأمم المتحدة لنيل العضوية الكاملة للدولة يهدف إلى تحقيق الأمرين معا من خلال التمتع بالعضوية الكاملة، أما ألا يتحقق نيل العضوية لأسباب سياسية لا علاقة للدولة الفلسطينية بها، فإن ذلك لا يعني بأي حال أن ما لم يتحقق اليوم لا يتحقق غدا في عالم يمتاز بطبيعته المتحركة والمتغيرة بشكل دائم وهو عالم السياسة. لذلك يجب الإبقاء على مسألة طلب العضوية الكاملة لدولة فلسطين قائما أمام مجلس الأمن، ولنكرر تقديم الطلب مرة ومرتين وثلاثة وأربعة إلى أن يتحقق ذلك كما فعلت دول عديدة قبلنا ومن ضمنها المملكة الأردنية الهاشمية، وإسرائيل نفسها على سبيل المثال لا الحصر، على أن نعمل بفاعلية أكبر وحماس أشد مما كان في معركة العضوية الكاملة التي تعثرت، من أجل اكتساب دولة فلسطين العضوية المراقبة في الأمم المتحدة في أقرب وقت ممكن.



دولة غير عضو بصفة مراقب

بتاريخ 23/6/2011 نشرنا مقالا حول 'العضوية الكاملة للدولة والبدائل الممكنة'، أكرر هنا ملخصا لبعض ما جاء فيه من عناصر هامة لاكتساب الدولة العضوية المراقبة في الأمم المتحدة.

1- هي أول مرة يتعامل المجتمع الدولي مع دولة فلسطين في التاريخ.

2- إنهاء المزاعم الإسرائيلية التي تقول إن الأرض الفلسطينية هي أرض متنازع عليها باعتبارها أرض الدولة الفلسطينية.

3- إسقاط الفكرة الصهيونية التي نشأت إسرائيل على أساسها، والتي تقول بإسرائيل بديل لفلسطين واليهود بديل للشعب الفلسطيني.

4- فتح أبواب انضمام الدولة الفلسطينية إلى الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، والأجهزة والوكالات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة كمنظمة الصحة العالمية، ومنظمة العمل الدولية، والمنظمة العالمية للملكية الفكرية، أو استكمال الانضمام إلى اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 وهي الاتفاقيات المؤسسة للقانون الإنساني الدولي، وهذا من شأنه تعزيز الوضع القانوني للدولة الفلسطينية باعتبارها من أشخاص القانون الدولي وإظهار فاعليتها كعضو في المجتمع الدولي.

بعد ذلك توالت الدعوات إلى مثل هذا البديل، ولكن دعوة الرئيس الفرنسي ساركوزي إلى القبول بهذا البديل ارتبطت بشروط غير مقبولة كان أبرزها التخلي عن الذهاب إلى مجلس الأمن، والتخلي عن المطالبة بالعضوية الكاملة في الأمم المتحدة، إضافة إلى شروط تتعلق بتخلينا عن ثوابتنا المحقة في العودة إلى المفاوضات مع إسرائيل. من هنا كانت خطورة القبول باقتراح الرئيس الفرنسي آنذاك، إذ إن التوجه إلى مجلس الأمن كان خطوة صحيحة، لأنه التوجه الطبيعي لأية دولة تطلب العضوية في الأمم المتحدة، ولو قبلنا بالذهاب إلى الجمعية العامة من أجل العضوية المراقبة دون الذهاب إلى مجلس الأمن لكان ذلك دليل إثبات من جانبنا نحن بأننا غير واثقين من حقنا بالعضوية الكاملة، وبالتالي نضع الدولة الفلسطينية أمام علامة سؤال كبيرة يسهل على أعدائها الطعن بوجودها لإبطال مسعانا من أساسه.

وجاء أخيرا اقتراح لجنة العضوية التابعة لمجلس الأمن، حيث اقترحت اللجنة في مسودة التقرير المقرر تقديمه إلى مجلس الأمن، وهو التقرير الذي يشير بعدم إجماع اللجنة على عضوية دولة فلسطين في الأمم المتحدة، بأن تتبنى الجمعية العامة قرارا تصبح بموجبه فلسطين دولة تتمتع بوضع مراقب في هيئة الأمم المتحدة. ويبدو أن هذا الاقتراح قد تبلور لدى اللجنة نتيجة الانقسام الذي وقع بين أعضائها حول أحقية دولة فلسطين بالعضوية الكاملة من غالبية أعضاء اللجنة.



عضوية الدولة في الأمم المتحدة والانقسام الفلسطيني

استغلت الدول الرافضة للمطلب الفلسطيني في العضوية الكاملة الانقسام الفلسطيني لتتخذ منه ذريعة لرفض المطلب المذكور، وقالت هذه الدول من خلال مندوبيها في لجنة العضوية، إن الدولة الفلسطينية التي نتدارس طلبها اليوم هي في واقع الأمر منقسمة على نفسها، منقسمة سياسيا وجغرافيا وديمغرافيا، ما يدعو إلى الحيرة والسؤال هنا: مع أي قسم من القسمين يجب أن نتحاور أو نتعامل؟؟؟؟؟ وهل يتمتع هذا القسم أو ذاك بتمثيل كل فلسطين سياسيا وجغرافيا وديمغرافيا؟؟؟؟

إذن الانقسام الفلسطيني امتد ليشكل عاملا سلبيا جديدا وعقبة أمام طموحات شعبنا الوطنية على المستوى الدولي بعد أن كانت آثاره لم تخرج عن الدائرة الوطنية والإقليمية. الأمر الذي يجعل من مسألة إعادة الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام أمرا بالغ الأهمية، ويتبوأ الأولوية العالية في سلم اهتماماتنا الوطنية. ويجب أن ندرك من الآن فصاعدا أننا لن نتمكن من تحقيق أي من أهدافنا الوطنية على المستويات الداخلية الوطنية أو على صعيد العمل الخارجي مع العالم كما يجب إذا لم نعد إلى شعبنا لحمته المجتمعية، وإلى وطننا وحدته السياسية والجغرافية.