مصالحة على الطريق ..لا تفوتوا الفرصة...!

2011-11-20 20:33:00

عن الأيام
بقلم: أكرم عطا الله
مهمة الكتاب الآن أن يفرشوا بحبر أقلامهم البساط الذي ستمر عليه المصالحة المنتظرة طويلاً وصعبة التنفيذ لما يعترضها من عقبات ستواجهها القوى لحظة الحقيقة المرة لما أفرزته السنوات الماضية من واقع يحتاج إلى إرادة قوية جداً لتجاوزه، الآن إرادة الفصائل أمام اختبار كبير حول قدرتها على إغلاق ملف الانقسام وينتظر المواطن نتيجة هذا الاختبار بعد اللقاء المنتظر هذا الأسبوع بين الرئيس عباس ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس اللذين ستوزع عليهما درجات الجدارة وليس من المتوقع أن يقبلا بالنتيجة صفر، لأن هذه ستطرح أسئلة كثيرة عن قدرتهما على قيادة الشعب إذا فشلا في إنهاء الانقسام هذه المرة .
الظروف الآن مختلفة والبرامج تكاد تكون متشابهة والخيارات الفلسطينية تنحسر أكثر كلما مر الوقت نحو خيار واحد ووحيد وهو الوحدة والبرنامج المشترك، القادر وحده فقط على مواجهة التغول الإسرائيلي، ومن الواضح أن المستقبل يسير لصالح الفلسطينيين ولا يسير لصالح إسرائيل التي تذهب أكثر باتجاه التدين والانغلاق والانعزال، ولكن المستقبل لن يكون لجانبهم حين لا يسيرون بيد واحدة أثبتت التجربة أنها الممر الإجباري الوحيد نحو الحرية .
أخطأت قوى الانقسام وارتكبت بحق نفسها وبحق شعبها الجريمة الأكبر وغامرت كثيراً برأسمالها الوحيد وهو ثقة شعبها بها، وهو يراقب هذا القدر الطاغي من الذاتية الحزبية حد العمى الوطني، وكم كان مؤلما لها ذلك الاستطلاع الذي نشر في الربيع الماضي في ذروة الربيع العربي، والذي أعطى للفصائل ثقة أقل من نصف المجتمع الفلسطيني وتبعه استطلاع "شارك" الذي دلت نتائجه على أن 64% من الشباب لا يثقون بالفصائل .
النتيجة الأصعب للانقسام هي شق الشعب الفلسطيني لسنوات وتدمير منظومة العلاقات التي كان يمكن أن تؤسس هذه التجربة لنظام فلسطيني سوى قادر على مواجهة أزماته لتنتهي التجربة المريرة بنظامين فلسطينيين كل منهما أكثر تشوهاً من الآخر حاول أن يؤسس لنفسه نظام حكم وسط هذا التشوه فاكتشف أن وجهه ارتطم بالحائط .
المفاوضات وصلت إلى نهايتها الطبيعية، إلى الطريق المسدود الذي رسمه الصلف والكذب الإسرائيلي بعد أن راهنت السلطة على طريق المفاوضات لتكتشف أن الولايات المتحدة بعد موقفها الأخير في مجلس الأمن أكثر عجرفة من حكومة اليمين وكل حكومات إسرائيل، وأن المشروع الاستيطاني يتقدم بحيث لن يبقى أمل علق عليه الفلسطينيون للوصول نحو الدولة، وإن لعبت المفاوضات دورا هاما في تجنيد جزء من الرأي العام الدولي والرسمي لصالح القضية الفلسطينية وعزل وانكشاف إسرائيل، لكن النتيجة على الأرض أن لا دولة ولا تسوية.
أما حركة حماس التي اعتقدت أن انقلابها الذي نفذته قواتها الأمنية لتسيطر على غزة، وظنت أنها ستقيم نظام حكم يشكل نموذجاً يحتذي به لتنتهي التجربة بجهاز أمني نسخة عن أجهزة الحكم العربية وأزمة اقتصادية أدت لحملات جباية ضاق بها المواطن المحاصر ذرعاً وتعثرت خلالها رواتب موظفها مع ما رافق هذه السنوات من تدمير للاقتصاد وتشوه للتجارة ونشوء نخبة جديدة من تجار الأنفاق بدل النخبة الاقتصادية الحقيقية التي تراجعت لتنتهي التجربة أيضا بلا نجاح يذكر، هذا على صعيد الإدارة .
هي سنوات الظلام بالنسبة للفلسطينيين هذا بالحسابات الوطنية، وربما لم تكن كذلك بالحسابات الحزبية، لكن السواد الحالك الذي لف الوطن خلالها لن يمحي من الذاكرة الفلسطينية إلا في اللحظة التي يرى فيها الفلسطينيون نظاماً سياسياً موحدا وحكومة موحدة، هذا إذ لم يتفق الطرفان على حل السلطة وهو الخيار الجدير بالمناقشة بعد هذه التجربة وبعد الابتزاز الأميركي والإسرائيلي للتمويل حتى لا تفرض إسرائيل ومعها الولايات المتحدة معادلتهما "السلطة مقابل المال" وليهدد الفلسطينيون بحل السلطة إذا ما أقدمت إسرائيل على وقف تحويله بدل أن يخضع الفلسطيني للابتزاز .
المصالحة تتقدم الآن بشكل مختلف عن السابق، والتصريحات التي تصدر عن طرفي الانقسام أكثر جدية هذه المرة، والإحباط الإسرائيلي عن عرقلتها أكثر وضوحاً هذه المرة، واللغة الصادرة عن تل أبيب تجاه المصالحة تشكل مدعاة للتفاؤل فلسطينياً، على الجميع الأخذ بيد الفصائل دون نبش الماضي الأسود وتفاصيل المآسي السابقة التي تشكل الوقوف عندها قنابل يمكن أن

تنفجر مرة أخرى، علينا أن نساعد الفصائل على التقدم، فهي تتقدم نحو الوطن وحين تفعل ذلك نرفع قبعاتنا احتراما لها، هذا هو المقياس الذي يجب أن يشكل ميزان الحكم عليها، فالمصالحة هي المهمة الوطنية الأكبر الآن ومن يدفع باتجاهها سيعلق الشعب على صدره وسام الوطن .
المسألة ليست سهلة وهناك عقبات تعترض طريق المصالحة على الجميع التفكير بكيفية تذليلها، أولها العقبة الأكبر التي سببت الانقسام ووفقت سداً أمام محاولات رأب الصدع وهي الاختلاف على حصة القوى من السلطة التي يجب أن تتم بهدوء، فالحصة الصغيرة في إطار الوحدة أكبر بما لا تقاس من أية نسبة في إطار الانقسام ويمكن أن يتدخل خبراء ومختصون في إعادة صياغة أجهزة الأمن بما يكفل بناءها من جديد بعيداً عن الحزبية كأجهزة اختصاص لحماية المواطن وليس السلطة، فسلطة الحزب تحميها ثقة شعبه به ومن المؤكد أن حركتي فتح وحماس قرأتا تجربة الربيع العربي وخلصتا إلى هذا الاستنتاج.
والأهم من ذلك أن إسرائيل تبقى مكتوفة الأيدي أمام انهيار مشروعها الأهم مشروع الانقسام والتهديدات الجديدة تجاه غزة قد تتحول إلى واقع لحظة شعورها بالبدء بتنفيذ خطوات التوحد، وهناك تسريبات وردت لمصادر أوروبية على لسان عاموس جلعاد بأن غزة أمام استهداف قادم، ويكمن لإسرائيل أن تخلق ذرائع العدوان في أية لحظة انتقاما من الفصائل الذاهبة نحو المصالحة، وهذا سيناريو ربما يكون واقعياً ومهمة الفصائل تصبح مركبة كيف تنهي الانقسام، وكيف تواجه النوايا العدوانية، والحل فقط بالذهاب نحو مصالحة تحت رعاية إقليمية كبرى وأيضا دولية مثل روسيا وفرنسا وغيرها.
النوايا والتصريحات تدعو للتفاؤل هذه المرة، والطريق نحو المصالحة معبد بثقة الشعب التي ستسير عليها خطوات القادة والمثقفون يتجندون للمهمة الكبرى ولا مجال للفشل هذه المرة لأن كلفته على الفصائل كبيرة .