مبعدو كنيسة المهد ..... الجرح النازف : إلى متى ؟؟
في الوقت الذي دخل فيه مبعدو كنيسة المهد في غزة والدول الأوربية عامهم العاشر لإبعاد ، ما يزال هذا الجرح الفلسطيني ينزف كما تنزف العديد من الجروح التي سببها الاحتلال الإسرائيلي لشعبنا الفلسطيني ، فمن جرح الإبعاد والتهجير لشعبنا على مدى 64 عاما ، إلى جرح الأسرى في سجون الاحتلال إلى عمليات التهويد الخطيرة التي يمارسها الاحتلال في القدس الشريف وهدم منازل المقدسيين وسحب هوياتهم وإبعادهم عن القدس ، إلى حصار غزة المستمر الذي تخلله الحرب الهمجية على قطاع غزة ، إلى الكثير من الجرائم التي يمارسها الاحتلال أمام أنظار العالم .
كان لزما على قبل أن أتناول جرح المبعدين النازف ومعاناتهم المستمرة منذ عشرة أعوام ، أن اذكر بإحداث حصار كنيسة المهد والتي جرت في العام 2002 في بيت لحم ، حيث تبين لي ومن خلال تحدثي مع العديد من الفلسطينيين أنهم قد نسوا هذه القضية ، وكذلك فالجيل الجديد يجهل أحداث حصار كنيسة المهد ، خصوصا في غمرة الممارسات والجرائم التي يرتكبها الاحتلال ضد أبناء شعبنا الفلسطيني .
بدأت أحداث حصار كنيسة المهد بعد أن تم احتلال مدينة بيت لحم في ما سمي بعملية السور الواقي ، حيث جرى إعادة احتلال مناطق السلطة الفلسطينية في العام 2002 ، بدأ العدوان على مدينة بيت لحم بتاريخ 2/4/2002 صباحا ، حيث استخدم الاحتلال الآلاف من الجنود والعشرات من الدبابات والآليات إضافة إلى طائرات الاباتشي التي قصفت مختلف مناطق المدينة مخلفة العديد من الشهداء والجرحى ، وبعد ساعات من المواجهة العنيفة بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال تم حصار قرابة 250 مواطن داخل كنيسة المهد ، حيث قام الاحتلال بنشر قواته وقناصته حول الكنيسة وطالب المحاصرون بتسليم أنفسهم لكن المحاصرون رفضوا الخروج وتسليم أنفسهم للاحتلال ، الأمر الذي دفع الاحتلال إلى تشديد الحصار وقطع الماء والكهرباء والغذاء عن المحاصرين ، وبدا قناصة الاحتلال في استهداف المحاصرين حيث استشهد ثمانية محاصرين كان من بينهم قارع الأجراس داخل الكنيسة وجرح 30 آخرين خلال فترة الحصار التي بلغت 39 يوما .
وبعد الصمود الأسطوري الذي سطره المحاصرون داخل الكنيسة ورغم الجرائم التي ارتكبت بحقهم وبعد فشل محاولة الاقتحام التي نفذتها قوات خاصة إسرائيلية للكنيسة ، لجأ الاحتلال إلى مفاوضة المحاصرين الذين رفضوا ذلك وابلغوهم أن هناك سلطة فلسطينية هي الجهة الوحيدة المخولة بالتحدث بأمرنا .
فاوض الاحتلال الإسرائيلي السلطة الفلسطينية وكانت النتيجة عكس ما توقع المحاصرون حيث أبرمت اتفاقية ابعد بموجبها 26 محاصر إلى قطاع غزة و13 إلى الدول الأوروبية تمت الاتفاقية بإشراف أمريكي وبريطاني وبمباركة من الاتحاد الأوروبي في جريمة أضيفة إلى سلسلة الجرائم التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي ضد شعبنا الفلسطيني ولكن الفارق هنا أنة كان بإشراف ومباركة دوليه .
انتهت فصول معاناة المبعدين في الكنيسة وبدأت فصول معاناة جديدة وهي الإبعاد في كل من غزة والدول الأوروبية ، وبالتحديد بعد انقضاء عامين على الإبعاد حيث صدم المبعدون بأنة لا يوجد اتفاق محدد على عودة المبعدين أو تاريخ للعودة إلى بيوتهم في الاتفاق الذي ابرم بين الاحتلال والسلطة الفلسطينية ، ومنذ ذلك الوقت والمبعدون يعيشون حياة صعبة وأليمة وسط حالة من عدم الاستقرار النفسي والاجتماعي ، وكان اشد ما يعانيه المبعدون أن يتم إبلاغ احدهم بوفاة اعز أحبابهم فمنهم من فقد الأب أو الأم أو الأخ أو الأخت أو الزوجة أو الأبناء دون أن يشاهدوهم أو يتمكنوا من إلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليهم ،حيث كان الاحتلال يحول دون ذلك.
إضافة لمعاناة المبعدون قد فقدوا زميلهم الشهيد اللواء عبد الله داوود قبل أكثر من عام في الجزائر وعاد إلى ارض الوطن محمولا على الأكتاف ، كذلك منع الاحتلال ذوي المبعدين من زيارتهم في قطاع غزة منذ تسعة أعوام وكذلك منع الاحتلال زوجات وأبناء المبعدين من العودة إلى بيت لحم علما ، بان المسافة بين بيت لحم وقطاع غزة تأخذ 45 دقيقة من الزمن ، والأشد خطورة أن الاحتلال أصدر القانون العسكري رقم 1650 الذي يحظر على من يحمل البطاقة الغزية أو من ولدوا في غزة دخول الضفة الغربية وتم إبعاد العشرات منهم إلى غزة .
وقد أضيفت جريمة أخرى من خلال إبعاد الاحتلال للأسرى المحررون في صفقة التبادل (صفقة شاليط) حيث ابعد 40 مبعد إلى الخارج وابعد 163 مبعد إلى قطاع غزة أمام أنظار العالم الذي يدعي الديمقراطية وحقوق الإنسان فبأي حق يبعد الأسير عن بيته وأهلة بعد أن أمضى زهرة شبابه في سجون الاحتلال؟ منهم من امضي أكثر من ثلاثون عاما في الأسر وغالبيتهم امضوا أكثر من 15عام داخل سجون الاحتلال.
بعد عشرة أعوام مضت لم يتوانى المبعدون لحظة واحدة في المطالبة بحقوقهم التي شرعتها القوانين الدولية وخاصة اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحقهم في العودة والتواصل مع عائلاتهم وذويهم ، وقد جابوا كافة المؤسسات الدولية وخاصة الأمم المتحدة حاملين معاناتهم إلا أن قضيتهم لم تجد آذانا صاغية حتى اليوم ، ويأملون بعد أن تقدمت السلطة الفلسطينية بطلب عضوية فلسطين في الأمم المتحدة بأن يتم تفعيل قضيتهم في كافة المحافل الدولية ، لان إبعادهم مخالف لكافة القوانين الدولية لاسيما القانون الدولي الإنساني والإعلان العالمي لحقوق الإنسان واتفاقية جنيف الرابعة .
وتستمر المعاناة ويستمر الجرح النازف منذ عشرة أعوام في ظل تجاهل وتقصير من قبل السلطة الفلسطينية وكافة الفصائل والتنظيمات الفلسطينية بدون استثناء فهل يجد المبعدون من ينصفهم ويقدر تضحياتهم ومعاناتهم ؟ آمل أن يتحقق ذلك .