المصالحة و"حماس" والمقاومة السلمية

2011-12-26 19:21:00
نابلس (شبكة راية الإعلامية ):

قرار حماس الاستراتيجي بتبني المقاومة السلمية والشعبية في المرحلة الحالية يجب أن يُرحب به، وهو يشير إلى تطور في الوعي والنضج السياسي في الحركة، وتقديمها للاولوية الوطنية على الاولوية الحزبية. مهد هذا القرار وعلى الفور مساحة توافقية اوسع مع فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية وفرت ارضية اكثر صلابة للمصالحة الفلسطينية. تصريحات قادة حماس من ان المناخ الاقليمي والدولي تغير بشكل دراماتيكي بما يفرض على الجميع تغيرا في النظرة للاستراتيجيات والتكتيكات تعكس ايضا ادراكا مطلوبا للاشتراطات التي تفترضها المتغيرات السياسية، عوضا عن التنكب لها واهمالها. اضافة الى ذلك فإن واحدا من الدروس التاريخية التي قدمتها الثورات العربية، وخاصة التونسية والمصرية، تجسد في "الفعالية المدهشة للمقاومة السلمية".
اتسمت الثورتان بتبني منهج الاحتجاجات السلمية واسعة النطاق والمدعومة بوسائل الاعلام التلفزيونية والاجتماعية. وقد حققتا ما لم تحققه الثورات المسلحة والتي تمت عسكرتها في ما بعد. إذن ما يجب ان يسيطر على العقل السياسي الفلسطيني هو "فعالية الوسيلة" و"الهدف".
تزايدت القناعة الفلسطينية في السنوات الاخيرة بالمقاومة الشعبية وبفاعليتها وبرز إجماع مؤثر حولها في الأوساط السياسية والحزبية الفلسطينية، على خلاف النظرة الاستهتارية لها خلال عقود ماضية. ويمكن ان تتبنى الاطراف الفلسطينية المختلفة المقاومة الشعبية بالطريقة التي تريد، لكن تلك الاستفادات الفرعية تعظم من الاستفادة الوطنية العامة. وتمتاز المقاومة الشعبية وببعدها التأييدي المعولم باتساع نطاق التأييد لها والمنخرطين فيها وتشمل النخب والمنظمات غير الحكومية وبرلمانيين وسياسيين حاليين وسابقين. وطبيعتها اللاعنفية تساعد على جذب المزيد من المؤيدين نظرا لأن اكلافها غير باهظة، وبسبب معقولية اساليبها وصعوبة مواجهة منطقها.
تعريف ومفهوم المقاومة الشعبية يتسع ليشمل جوانب نضال سلمي عديدة، متداخلة، وذات جغرافيات وتجمعات وأدوات عديدة، تتضمن المظاهرات والاحتجاجات الداخلية ضد المستوطنات والجدار وكل اشكال الاحتلال والمقاطعة الشاملة، ومقاطعة إسرائيل خارجيا، والتعاون مع شبكات عالمية وواسعة من المتضامنين للتأليب على مقاطعتها دوليا بما في ذلك المقاطعة الاكاديمية والاقتصادية، وملاحقتها قضائيا، وكشف عنصريتها عن طريق الإعلام ووسائله المعولمة الحديثة، وتحويلها إلى دولة منبوذة في العالم قائمة على الابارتهيد، وكل ذلك بهدف خلق رأي عام عالمي لا يتحمل غض النظر عن جرائم إسرائيل واحتلالها ويدفعها إلى الخضوع للقانون الدولي كما حدث في تجربة جنوب افريقيا.
وتستند الدعوة إلى تبني استراتيجية المقاومة الشعبية في فلسطين إلى ركنين اساسيين هما: الإمكانية والفعالية، وكلاهما يتم تطبيقه وتفعيله بإسناد إعلامي مهني وشعبي ايضا. تبني وتطبيق هذه الاستراتيجية يقع في نطاق القدرة والإمكانية الفلسطينية، وهي استراتيجية ذات فعالية كبيرة وبإمكانها تحقيق اهداف كبيرة على الارض.
ورغم اختلاف الظروف والبيئات لنا أن نتأمل فعالية الثورات العربية السلمية ونجاحها في جذب تعاطف عالمي واسع وفي اطاحتها انظمة استبدادية شرسة. ويمكن المجادلة هنا بأن هناك قبولا فلسطينيا متزايدا ومتسارعا لاستراتيجية المقاومة الشعبية وأن ثمة ظروفا محيطة مشجعة ويمكن تلخيص ذلك بما يلي:
تكمن اهمية ومركزية المقاومة الشعبية فلسطينيا بقدرتها على اعادة الجماهير إلى ساحة النضال اليومي. وهي الجماهير التي انسحبت من الشارع والمشاركة الفعالة بسبب فوضى السلاح والمظاهر السلبية التي رافقت الانتفاضة الثانية سنة 2000، واقصيت عنه لصالح التنظيمات والفصائل المسلحة فقط. عندما يسيطر الرصاص على الشارع المُقاوم فإن المقاومة تتحول إلى صراع مسلح بين مجموعات المقاومين والقوة العسكرية الباطشة المعنية. وما لم تكن ظروف النجاح والظفر مهيأة فإن احد النواتج التقليدية لهذا الشكل من المقاومة هو خوف الناس العاديين من المشاركة ودفعهم إلى السلبية. في المقابل يمكن القول إن المقاومة الشعبية غير العنفية قادرة على إعادة الروح لدور تلك الجماهير في العمل العام والضاغط، واستدعاء الناس إلى ساحة الفعل النضالي الايجابي. وما يحصل ضد الجدار وفي بلعين ونعلين واماكن اخرى في فلسطين دليل راهن على ذلك.
- تتمتع المقاومة غير العنيفة بموقف اخلاقي يعلو فوق الاحتلال الاسرائيلي والغطرسة الصهيونية. لا يعني هذا مطلقا ان المقاومة المسلحة غير اخلاقية او انها تضعف من عدالة القضية. بل المقصود هنا هو ان المقاومة الشعبية غير العنفية تعمل على جلاء تلك العدالة في انصع صورها بسبب حرمانها العدو من اية محاولة لاستغلال وتوظيف او تشويه المقاومة بشكل عام. ولعل ردود الفعل الاسرائيلية المتشنجة والعنيفة على مظاهر المقاومة الشعبية والمعولمة، تحت مزاعم نزع الشرعية عن إسرائيل تدلل على التأثير البالغ لهذه المقاومة.
- تبني المقاومة السلمية الشعبية كإستراتيجية فلسطينية شاملة استلزم شروطا ليست بالسهلة، لكنها الآن اصبحت قيد الاستطاعة. وأول هذه الشروط واهمها يتمثل في تحقيق توافق وطني شامل على شكل وجوهر هذه المقاومة كي تحقق اهدافها. إن لم يتحقق هذا التوافق الوطني الشامل واصر بعض التنظيمات على التمسك بالمقاومة المسلحة فإننا نعود لتكرار سيناريو تبني عدة استراتيجيات في وقت واحد بما يعني تآكل منجزاتها مهما كانت صغيرة نتيجة التصادم الحتمي بين تلك الاستراتيجيات. ومن البدهي أيضا ان المقاومة الشعبية والمعولمة تستلزم الإعلان وبكل وضوح ممكن عن التخلي عن المقاومة المسلحة (من دون ان يعني ذلك تلميحا او تصريحا أية إدانة للكفاح المسلح وتاريخه في النضال الفلسطيني، او لفكرة المقاومة المسلحة للاحتلال الأجنبي كأسلوب شرعي وقانوني وفعال عندما تتيح الظروف ممارستها).
يندرج ايضا في الاشتراطات الاساسية لتبني هذه المقاومة بث الوعي الحزبي والشعبي إزاء معنى واهمية ومغزى وتأثير المقاومة غير العنفية، وبناء حاضنة شعبية داعمة ومؤيدة له. ولا يجوز استسهال هذا الأمر لأن "ثقافة المقاومة" المترسخة في الوجدان الفلسطيني والعربي تكاد تنحصر في "المقاومة المسلحة" فقط. والانتقال بهذه الثقافة إلى مسار آخر يحتاج إلى جهود كبيرة وحملات تعبئة. إضافة إلى ما سبق فإن خطاب المقاومة الشعبية يجب أن يستند إلى أركان قوية، ومكونات متماسكة وهجومية، تعكس فيما تعكسه غلبة المكون الإنساني والحقوقي والتركيز عليه، والتمسك بمفاهيم العدالة التي يقوم عليها الحق الفلسطيني والمدعوم بالقانون الدولي والضمير العالمي، وإعادة التأكيد على التفريق الواضح والحاسم بين الصهيونية واليهودية وأن الصراع هو مع الأولى وليس الثانية، وكذلك الابتعاد عن التورط في معارك خاسرة ولا علاقة للفلسطينيين بها وتحديدا مسألة الهولوكوست واللاسامية، بل على العكس من ذلك على الخطاب الجديد أن يعلن تضامنا لا لبس فيه مع ضحايا تلك الجريمة الكبرى، ويعمل على تحييد استثمارها الانتهازي المتواصل من قبل إسرائيل والصهيونية.