عن فاجعة الحافلة وموت الفراشات

2012-02-21 18:45:00

لماذا كل هذا الموت دفعة واحدة؟

أي قلب يمكن له أن يحتمل هذه الفاجعة؟

أي قلب يمكن له أن ينبض وهو يتجرع مرارة كل هذه الفقد؟

ترى، ما الذي كان يجول في خاطر هؤلاء الصغار وهم يمضون إلى يوم آخر في حياة كانت تنمو على مهل وكل ما فيها كان مفعماً بالأمل والضحكات والمشاكسات والأمنيات البريئة؟
ماذا صنع هؤلاء الأطفال لحظة الارتطام الرهيب؟ وما الذي قفز إلى أذهانهم الطرية عند اشتعال اللهب؟ وأي نور لمع في عيونهم؟ وأي رعب استولى عليهم في تلك اللحظة الغادرة؟
ترى، ما الذي تراءى لهم؟ وأي الوجوه حضرت؟ وأي الأمهات نودي إليها ولم يسعفها الموت العاجل من الحضور؟.
كيف كانت رائحة النار وهي تلتهم براءتهم وأحلامهم وضحكاتهم الحلوة؟ وكيف دافع هؤلاء عن ما تبقى لهم من حياة في وجه هذا الموت الأسود؟ وكيف بدت الدنيا في عيونهم في تلك اللحظة الفاجرة؟
ماذا حلَّ بتلك الشطائر التي كانت تملأ حقائبهم؟ وأي الألعاب ماتت معهم؟ وأي الوسائد ستشتاق إليهم؟
كيف ستبدو الأيام والأسابيع والسنوات والأعمار والأناشيد والأغاني وقصص الجدات بعد هذا الغياب الموجع؟
كيف ستبدو الموائد بعد آن غابت عنها الفاكهة الأطيب والأشهى والأحلى؟ وكيف سينام الأب والأم والأخوة والأخوات فيما البيت يبكي ويشكو غياب الأشقى والأجمل؟
ما الذي سيحلّ بالدراجة بعد غياب صاحبها؟ وما حال الفراشات بعد أن غاب من كان يطاردها وهو يجري مزهواً وممتلئاً بالأمل والدهشة والسحر ولذة الاكتشاف؟
كيف سيتردد صدى اللثغات بين جنبات المنزل اليتيم بعد هذا الرحيل المر؟ وماذا سنقول لـ "توم وجيري" و"ميكي ماوس" و"سبونش بوب" ساعة حضورهم والسؤال عن أوفى الأصدقاء؟
ماذا سيقول الثلج عندما يتراكم فوق عتبات المنازل ولا يجد من يعكر صفو بياضه بكل تلك الدهشة وبكل تلك الضحكات وبارتعاشات الأيدي والأصابع التي تصنع منه أزهي الأشكال وأبهى الأغنيات؟
كيف سنقلِّب ألبوم الصور بعد اليوم؟ وماذا سنقول للأشقاء والشقيقات عند سؤالهم عن صاحب الصورة الذي كان يضحك مستسلماً أمام الكاميرا كغيمة حبلى بالمطر والأمنيات؟
ترى، ماذا قالت مروة؟ وبأي الكلمات تمتمت وهي تشاهد كل تلك النار تأكل أحلامها الخضر وتلتهم أناشيد الصباح وتلك الحروف التي كانت تزهو بترديدها لحظة العودة إلى البيت وارتمائها في حضن أمها المتلهفة لذلك العناق؟.
ترى أية ندوب ستحفرها هذه الفاجعة في نفوس وأرواح الناجين من فم الموت؟ وأي ذكريات سيحملها هؤلاء معهم إلى ذلك المستقبل الذي بدا في لحظة الارتطام هشاً تماماً مثل عظامهم وأرواحهم التي قاومت الموت العنيد؟.
وماذا سنقول نحن؟ وكيف سننظر في عيون أطفالنا عند سؤالهم عن الموت والجنة والنار؟ وأي الكلمات ستشفي غليل كل تلك الأسئلة التي حملتها إلينا هذه الفاجعة ورمت بها في أحضاننا التي اعتادت الفقد وغياب الأحباب؟
ماذا سأقول لمليكة وسلمى عند سؤالهن عن الفراشات التي تذهب لحتفها وترمي نفسها بالنار فتسقط ضحية لولعها باللهب وحب الاكتشاف؟ وهل كانت مروة وأصدقاؤها مثل هذه الفراشات؟
لا جواب هنا يوقف نزيف الأسئلة، ومهما حاولت سيبقى جوابي على هذا السؤال ناقصاً ومتلعثماً ومرتبكاً وكل ما استطيعه هو أن ألوذ بالصمت، فيما تواصل مليكة اللعب والضحك وترديد أغنيتها الأثيرة: ثلج .. ثلج .. عم بتشتي الدنيا ثلج.