نحن لا نحتمل الحزن

2012-03-18 20:37:00
نابلس (شبكة راية الإعلامية ):
القانون الكوني في العلاقة مع البشر، ومع التجسّدات عموما، هو الافتراق، لا دوام اللقاء!

فإذا افترقت عن حبيبك
فلا تحزن.
وإذا افترقت عن زوجك
فلا تحزن.
وإذا افترقت عن ابنتك أو ابنك
فلا تحزن.
وإذا افترقت عن صديق عمرك
فلا تحزن.
وإذا افترقت عن عمل أحببته
فلا تحزن.
وإذا افترقت عن مكان أحببته
فلا تحزن.
وإذا افترقت عن أي شيء
فلا تحزن.
وإذا حزنت
فلا تحزن طويلا.
وإذا حزنت
فلا تحزن بشدّة.
وإذا حزنت
فلا تعمّق الحزن فيك.

إن لقاء دائما هو واقع مستحيل أو متخيَل!

وإن لقاء طويل المدى هو واقع ممكن لكنه يظل استثناء من القانون الكوني المُفَرّق!

الحزن خطيئة بحقّ روحك الإلهيّة، وخطيئة بحقّ نفسك الرقيقة، وخطيئة بحقّ فرصتك في الحياة الطيّبة الجميلة.

لماذا تحزن والموت مآل جميع الأحياء؟ ولماذا تحزن ومغادرة روحنا للجسد وللكوكب هي مسألة وقت لا أكثر؟
هو الافتراق! القانون الكوني في علاقة الإنسان بالإنسان.

أما دوام اللقاء، فاستثناء، منقطع من عمرك القصير في الزمن الأرضي.

ستفيدنا تلك القاعدة المعرفية الكونية في التعامل مع اتجاهنا الفطري والعصبي للحزن في المواقف التي لا تروقنا.
حُزن مِن صُنعنا!

في حال افتراقنا عن التجسّدات السابقة ( الصديق، الزوج، العمل، المكان، الابنة..) افتراقا قدريّا، أي ليس بسبب خطأ ارتكبناه، فإنّه لا ينبغي لنا أن نحزن على ذلك الافتراق.

ومن الأمثلة على الافتراق القدري زواج ابنتك وسفرها مع زوجها للعيش في بلد غير بلدك، ومثل عيشك بعيدا عن أخيك لأنه يعمل في بلد غير بلدك، ومثل سفر ابنك للدراسة في بلد غير بلدك، ومثل إغلاق المؤسسة التي كنت تعمل فيها بنجاح وبتألق، ومثل احتلال بلدك الجميلة أو وقوع اضطرابات شديدة فيها واضطرارك للنزوح عنها،..

لكن هناك حالا آخر، غير قدريّ، يصيبنا بالحزن، ويكون الخلاص من حزنه أصعب وأقسى، فلنتعرّف إليه.. إذ لم يخلقك خالقك لكي يحزنك، لكن قد يصيبك مقدار صغير أو كبير من حزن على خطأ ارتكبته، فيكون ذلك الحزن الذي أصابك عدلا وحقّا، أي اقتصاصا لقانون العدل الكوني، الحاكم لكلّ شيء، منك، أو بالأدقّ من الخطأ الذي ارتكبته، بحقّ نفسك، أو بحقّ الحياة، فهذا عين العدل، ولولا ميزان العدل الموضوع في السماء والأرض لفسد الكون.

إن ميزان العدل الكوني غير قابل للاختراق، وغير قابل للمحاباة، وغير قابل للفساد، وغير قابل للإفساد، وغير قابل للضلال، وغير قابل للتضليل، وغير قابل للزوال، خلافا لميزان عدل البشر الذي يحكمون به فيما بينهم.

لكن القانون الكوني العادل الذي يقتصّ منك بالحزن، إنما يقتصّ منك لكي يعلّمك، ولكي يوازِنك، ولكي يطهّرك، ولكي يرقّق قلبك، ولكي يكرّهك في تكرار الخطأ والخطيئة، لا لكي ينتقم منك.
ولا يقتصّ القانون الكوني العادل منك بالحزن، إلا لكي تعود إلى ربّك نقيا، لا ملوّثا بضرر ألحقته بالآخرين أو بنفسك، حتى لو كان مقدار التلوّث صغيرا بنظرك مثل التلوث بالكراهية للغير، فهو في ميزان النقاء الكوني غير مقبول، ولا يصحّ أن تعود روحك للحضرة الإلهية إلا وقد استوفت متطلبات النقاء!
ألا ترى معي.. كيف تفسد مجتمعات الأرض في أركانها الأربعة، وكيف تتردّى، وكيف تهلك، عندما يُخلّ بنوها بميزان العدل فيها، وينأون عن تطبيق العدالة على كبار الشأن منهم.


الحزن ليس قانون الحياة!

وفي الحالين، حال الحزن القدريّ، وحال الحزن الناتج عن خطأ، سيكون لزاما عليك تفكيك حزنك ومواصلة حياتك، في زمن قد يقصر وقد يطول، لكنه في أيّ حال زمن حزنك أنت، وزمن مقدرتك على تخطّيه، وزمن سرعتك في ذلك التخطّي، بحسب درجة تفتّح وعيك الروحي، وبمقدار تطوّر نظام الحكمة لديك.
فالحزن ليس قانون الحياة!
الاستمرار هو قانونها!
التقدّم إلى الأمام هو قانونها!
ولأنّ الحياة جميلة ومباركة، فهي لن تقبل من أحد أن يعبث في قانونها الجميل المبارك.
وأنتَ أنتَ!
لن تحتمل الحزنَ طويلا، ستتعب، ستتناقض، ستَمرض.
وأنتِ أنتِ!
لن تحتملي الحزن طويلا، ستتعبين، ستتناقضين، ستَمرضين.
وسيُضعف الحزنُ موقفَكما أمام الحياة.

هل تستطيع أيها الإنسان أن تواصل الاحتفاظ بحزنك، بينما أنت تنظر في وجه طفلة أو طفل يبتسم لك؟
هل تستطيع أيها الرجل أن تواصل الاحتفاظ بحزنك، بينما تستقبل عيناك شعاع محبة من عيني امرأة رقيقة طيّبة تسير في الشارع؟
وتُواصِل تلك المرأةُ.. إطلاق شعاعها من مركز المحبة الراسخة في كينونتها، نحو إحساسكَ الباحث عنها؟
هل تستطيعين أيّتها المرأة أن تواصلي الاحتفاظ بحزنك، بينما يوجّه رجل لا تعرفينه، وبتلقائية مدهشة، شعاع حضوره الحنون الطيّب، نحوك؟
ويواصل ذلك الرجل.. إطلاق الشعاع من مَركِزَي بصره وبصيرته، على جمالك، وعلى روعة باطِنك؟
سألتُ حوّاء الرقيقة التي كانت تجلس إلى جواري في أحد مقاهي رام الله: ماذا تَبقّى في ذاكرتك من حديثي الطويل إليك عن أهميّة قيادة الوعي الروحاني للإنسان؟
فقالت مبتسمة: الحزن والكراهية، مُضرّان بالنفسية، مُضرّان بصحّة الجسم، ولا فائدة منهما!
ابتسمتُ وقلتْ: رائعة تلك الخلاصة.. ودعيني أخبرك باثنتين من تعاليم أهل التيبيت عن عشرة أشياء لا جدوى منها:
1- " بالنظر إلى الموت، فإننا نلاحظ أن المتوفى يغادر الدنيا دون أهله ولا أصدقائه ولا أحبائه، لذلك لا جدوى من إنفاق الحياة على كسب مودتهم، وتقريبهم، والانشغال بهم أكثر من اللازم.
2- نظرا لأن سلالة كل شخص تُعدّ عنصرا من عناصر الموت، فإنه مما لا جدوى منه إنفاق الوقت لبناء وجمع التركة التي سيتركها لهم، لأنهم سيفقدونها في نهاية المطاف، فلا جدوى من توريث الأشياء الدنيوية، ويجب التركيز على توريث الأمور الروحانية فهي الخالدة" (1). ( يوغا التيبيت، ف. اي. ايغانس، ص149).

علينا أن نتيقّظ من أجل أن تكون حياتنا رحلة محبّة!
ومن أجل أن نحبّ جميع الناس!
ومن أجل أن لا نكره الخاطئين، بل من أجل أن نحميهم من أنفسهم، ومن أجل أن نرشدهم!
فسرعان ما ستنتهي الرحلة!
وسرعان ما تعود الأرواح إلى باريها المُحِبّ!

* فصل من كتاب الوعي السابع، صدر حديثا للكاتب.