بعد عام على إدارة اوباما... بعد فشل ميتشل
راية نيوز: بعد عام على تولي ادارة اوباما سدة الحكم و رغم الجهود المتواصلة التي بذلتها خلال عام كامل، تخللتها تسع جولات قام بها جورج ميتشل الى المنطقة، خلافاً لجولات هيلاري كلينتون، ولعدد من اللقاءات من الصعب حصر عددها في واشنطن واوروبا ومختلف العواصم المعنية بأزمة المنطقة، يتوقع ان يعود ميتشل من جولته الأخيرة بخفي حنين.
هذا الحصاد من الفشل الذريع كان متوقعاً، لأن إسرائيل افشلت الجهود الاميركية واستقبلت تعيين ميتشل بامتعاض لأنه شخص براغماتي واقعي متزن، وهذا يزعج إسرائيل لأنها تريد انحيازاً مطلقاً من غير شروط، وسبق أن قدم تقريراً في عام 2001 تضمن وقف الاستيطان مقابل وقف "العنف" الفلسطيني. هذا التقرير الذي اعتبر الأب الشرعي لخارطة الطريق الدولية.
لقد اعتبرت إسرائيل الرسمية تقرير ميتشل وخارطة الطريق، رغم انحيازهما الواضح لإسرائيل، ورغم تغليبهما للأمن الإسرائيلي على أي شيء آخر غير مناسبين لإسرائيل، لذلك تم تجاوز تقرير ميتشل وتم تفريغ خارطة الطريق من مضمونها من خلال موافقة إسرائيل عليها بعد تقديم 14 تحفظا عليها تنسفها من الأساس وتحولها الى خارطة طريق إسرائيلية.
التاريخ يعيد نفسه مرة أخرى، وها هي إسرائيل تفشل ميتشل للمرة الثانية. فهو حاول أن يركز في بداية عمله على توفير شروط مناسبة لبدء المفاوضات وركز على وقف الاستيطان مقابل خطوات تطبيعية عربية مع إسرائيل على أساس أن "العنف" الفلسطيني قد توقف من تلقاء ذاته، ولم تستجب الحكومة الإسرائيلية لمطلبه، بل قاومت وضغطت ومعها اللوبي المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة الأميركية على الإدارة الأميركية، حتى تراجعت عن موقفها بعد اعتراف الحكومة الإسرائيلية بإقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح مقابل موافقة الفلسطينيين على شروط تعجيزية أهمها اعترافهم بإسرائيل كدولة يهودية، والإعلان عن مسرحية التجميد المؤقت والجزئي للاستيطان، وتقديم خطوات بناء ثقة تتعلق بتحسين حياة الفلسطينيين.
إسرائيل تراجعت خطوات صغيرة الى الوراء من أجل أن تتمكن من التقدم خطوات كبيرة الى الأمام.
لقد استطاعت حكومة نتنياهو من خلال تراجعها الشكلي أن تحول الضغط الأميركي، بدلاً من عليها الى الفلسطينيين، وأجهضت الاصطفاف الدولي الذي تشكل ضدها وأصبح يهددها بعواقب وخيمة خصوصا بعد طرح وإقرار تقرير غولدستون الذي وجه لإسرائيل اتهامات جدية تتعلق بارتكابها جرائم حرب ضد الإنسانية.
جورج ميتشل والإدارة الأميركية بعد أن فشلوا بالاتفاق على شروط بدء المفاوضات حاولوا في الأشهر الأخيرة، الاتفاق على أهداف نهاية المفاوضات من خلال الاستعداد لتقديم ورقتي ضمانات لإسرائيل وفلسطين، والالتزام باعتبار الاستيطان غير شرعي وأن التفاوض سيتم على جميع قضايا الوضع النهائي وبإقامة دولة فلسطينية خلال عامين على حدود 1967 مع الاتفاق على نسبة تبادل أراضي تحقق للفلسطينيين مطلبهم بالانسحاب الى حدود 1967، ومن مساحة تساوي 100% من الأرض ولإسرائيل مطلبها بالانسحاب الى حدود آمنة يمكن الدفاع عنها وبحيث يتم أخذ الوقائع التي أقامها الاحتلال الإسرائيلي (أي الكتل الاستيطانية) بالحسبان.
المحاولة الأميركية للاتفاق على شروط نهاية اللعبة أخفقت هي الأخرى، لأن إسرائيل لا تريد تحديد أهداف المفاوضات وفقاً للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة وإنما وفقا للتفسيرات الإسرائيلية، أو من خلال صيغ عامة فضفاضة يستطيع كل طرف أن يفسرها كما يريد. وطبعاً الطرف الأقوى هو الأقدر على تقديم التفسير القادر على أن يرى النور على أرض الواقع.
من جهته، رفض ابو مازن مسألة قبول الحصول على ورقة ضمانات أميركية لأن هذه المسألة جربت أكثر من مرة، ولم تسمن الضمانات الأميركية والدولية ولم تغني من جوع، كما أن إعطاء إسرائيل ورقة ضمانات يعني أن ورقتي الضمانات ستأكل الواحدة منهما الأخرى، وتصبحان بلا أي قيمة.
إن المطلوب التزاماً إسرائيلياً وليس أميركياً فقط بإنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس، والاتفاق على حل قضية اللاجئين على أساس قرار 194، حلاً لا يصفيها وإنما ينطوي على العدالة وقدر منها على الأقل.
تأسيساً على ما تقدم، أمام ميتشل خيارات صعبة:
إما أن يرحل ويستقيل حفاظاً على ما تبقى من ماء وجهه، وهناك أحاديث تدور في واشنطن حول هذا الاحتمال.
أو أن يعتبر الحراك المستمر الذي حدث، ويمكن أن يستمر انجازاً بحد ذاته لأنه يحافظ على الصورة بأن عملية السلام تتحرك أو يمكن أن تتحرك ويحافظ على الهيمنة الأميركية عليها، وعلى ما يجري في المنطقة، وهذا يقطع الطريق على نشوء فراغ وبروز خيارات وبدائل أخرى، يمكن أن تصب في مصلحة الأطراف والدول المعادية أو الرافضة للتسوية السياسية كما جرت منذ توقيع اتفاق اوسلو وحتى الآن.
أو يأخذ بنصيحة دنيس روس (المرشح للعب دور أكبر وربما خلافة ميتشل إذا استقال) ومارتن انديك بضرورة خفض سقف التوقعات والابتعاد عن القضايا الكبرى وعن محاولة الاتفاق على حل بالنسبة للقضايا الكبرى، والتركيز على خطوات وإنجازات صغيرة، من نوع الخطوات التي أقدمت عليها إسرائيل ويمكن أن تقدم عليها، مثل إزالة حواجز وإطلاق سراح بعض الأسرى، وتحسين شروط الحياة للفلسطينيين ضمن تصور نتنياهو لأولوية الأمن والسلام الاقتصادي.
أو تلك التي أقدمت عليها حكومة سلام فياض خصوصاً على صعيد الأمن، والتنسيق الأمني وبناء مؤسسات الدولة بصورة لا تحدث صداماً او انتفاضة ثالثة بين الفلسطينيين والاحتلال وتمنع حدوث فراغ، وتحسن الأجواء لانطلاق المفاوضات في ظروف مناسبة في المستقبل القريب أو المتوسط.
إن خطورة الخطوات الصغيرة بدون مسار سياسي جدي قادر على إنهاء الاحتلال وتحقيق السلام أنها تصب في خانة إعطاء شرعية للاحتلال وإدامته وأقصى ما يمكن أن تقود إليه هو تحسين شروط الحياة الفلسطينية تحت الاحتلال. وهذا يفرض على الفلسطينيين أن لا يقبلوا به ويعطوا رسالة واضحة بأنهم لن يقبلوا بأي شيء أقل من إنهاء الاحتلال وأن البديل عن المفاوضات العبثية هو المقاومة المثمرة حتى دحر الاحتلال وتحقيق الحرية والعودة والاستقلال.
إن شمعون بيرس حذر الرئيس ابو مازن في اتصالات تلفونية عديدة وفقاً للمصادر الإسرائيلية، من أنه إذا لم يوافق على استئناف المفاوضات يلعب بالنار، وإن استمرار الجمود في العملية السياسية يمكن أن يقود الى انتفاضة ثالثة لا يستطيع أحد أن يتحكم بها تماماً، ولا أن يعرف نتائجها سلفاً.
إن استئناف ابو مازن للمفاوضات بدون الاتفاق على مطالبه سواء بالنسبة لبدء المفاوضات أو تحديد الأهداف النهائية منها، سيكون بمثابة انتحار سياسي، لأن الحكومة الإسرائيلية الحالية بتعنتها وتطرفها، تجعل حياة الفلسطينيين والعرب المعتدلين صعبة إن لم نقل مستحيلة!!
ان عدم الموافقة على استئناف المفاوضات بدون بلورة استراتيجية جديدة وبديلة سيجعل السياسة الفلسطينية عرضة للتذبذب بين التشدد غير المفهوم والانزلاق غير المبرر. فالسياسة الفلسطينية يجب ان تأخذ بالحسبان ان الادارة الاميركية الحالية مختلفة عن السابقة رغم عدم قدرتها حتى الآن على بلورة سياسة مختلفة، لذا على الفلسطينيين الا يستخفوا بان واشنطن اصبحت تعتبر قيام دولة فلسطينية مصلحة اميركية قومية، والا يمكنوا اسرائيل من استيعاب التغير في الموقف الاميركي وحرفه قبل ان يتحول الى سياسة مختلفة ستتجه بالضرورة عاجلا او اجلا للضغط على اسرائيل. فتحقيق السلام لا يمكن بدون ضغط جدي على اسرائيل لدفعها للتجاوب مع متطلبات السلام !!!!