مروان البرغوثي في ذكرى اعتقاله العاشرة... ننتصر أو ننتصر
يقف مروان البرغوثي في ذكرى اعتقاله العاشرة شامخا كجبال فلسطين، وصلباً كصخورها، لم تنل من إرادته قضبان السجن، أو زنازين العزل، بل على العكس، ازداد لمعاناً وبريقاً، وقرباً لقلوب أبناء شعبه، وعشاق الحرية في العالم أجمع.
حاولت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، من خلال اعتقاله، أن تطفئ النور عنه، وأن تبقيه في ظلمات السجن، بعد أن فشلت باغتياله مرات عدّة، ظناًً منها أنها ، بذلك، تستطيع إغتياله معنوياً، ولكنها بالتأكيد لا تعرف، أو أنها تعرف ولا تريد أن تعترف بذلك، أنّ مروان عصيّ على التهميش والتعتيم، فنوره يشعّ من زنزانة عزله، وكلماته تصدح في سمائنا وهوائنا، تزيدنا كبرياء وعنفوانا، وتسلّحنا بالأمل، لأنها تعبّر عن طموحات شعبنا، وثوابته الوطنية، وأنات الأسرى، وعذابات الجرحى.
يبدو أن سلطات الإحتلال لم تقرأ جيداً تجربة مروان البرغوثي، وجيله، الذي عاش مرارة الاعتقال، والمطاردة، والإبعاد، والإقامة الجبرية، وتكسير العظام، والإضراب عن الطعام، واستخدام الكلاب البوليسية، ولم يزده كل ذلك إلاّ إيماناً بعدالة قضيته، وإستعداده المطلق للتضحية من اجلها مهما كلفه ذلك من ثمن. هذا الجيل هو الأكثر دراية ومعرفة بالاحتلال وسياساته ومواقفه المبنيّة على قتل الفلسطيني ونفيه من الوجود، سواء كان أسيراً أم طريدا، إنّ هذا الجيل هو الأكثر قدرة على مواجهة الإحتلال، وإفشال سياساته ومخططاته العنصرية القاتلة، فتجربة السجن والتحقيق كفيلة لوحدها بمعرفة نوايا إسرائيل، وإمعانها بقتل الفلسطينيين، والسيطرة على مقدرات الشعب الفلسطيني، وإصرارها على عدم تقديم أية تنازلات جوهرية في موضوع إحتلالها لأرضنا، بل أنّ هذا الجيل يعرف، تمام المعرفة، أنّ إسرائيل تريد أن تجمّل وجهها القبيح من خلال إعطاء فرصة لمفاوضات لا طائل منها، وبلا نتائج، اللهم إلاّ إضاعة الوقت، أو تنسيق أمني بهدف ضرب النسيج المجتمعي الفلسطيني، وبالتالي إدامة احتلالها لأرضنا، وإبقاء سياسة فرض الأمر الواقع التي تسير فيها في كل المجالات.
لم تكن، إسرائيل، في يوم من الأيام، جاهزة لتقديم أية تنازلات في الموضوع السياسي والأمني، أو حتى مجرد الاعتراف اللفظي بحقوق شعبنا الفلسطيني، وكانت تريد، وما تزال، إضاعة الوقت وهدره، والإثبات أنها لا تمانع من عقد لقاءات مع مسؤولين فلسطينيين، ولكنها لن تقدّم أي شيء فيها سوى أمور تافهة وثانوية، لا تتعدى تقديم تصريح لهذا المسؤول أو ذاك، أو إزالة حاجز ترابي هنا، أو بوابة حديدية هناك. ومروان البرغوثي صقلته هذه التجربة ودخلت في أعماق وعيه الوطني، لذا هي، أي إسرائيل، تحاول إبعاده عن بحره الجماهيري، رغم انه يعيش بين رفاق دربه في الأسر منذ عشر سنوات، يشاركهم حياة المعاناة والصمود في وجه إدارات السجون التي تريد أن تقتل في نفوس الأسرى الأمل بالحياة، ولكنها لن تستطيع.
ها هو مروان البرغوثي يتحدى قضبان السجن، ويخرج للملأ مرفوع القامة، عبر يديه المكبلتين للأعلى مقرونة مع إشارة النصر، ناطقاً رسمياً بإسم الوجع الفلسطيني ، بكل لغات الأرض، لا يأبه بأية عقوبات قد تفرضها عليه إدارة السجون. يظهر مروان عبر شاشات الفضائيات، بعد عشر سنوات من اعتقاله، وكأنه لم يغب يوماً واحداً عنا، معلناً أن اقصر الطرق لرحيل الإحتلال هي المقاومة، وأن إنتفاضة شعبنا وثورته ونضاله الوطني يجب أن تستمر حتى يتحقق الحلم الفلسطيني بالعودة والحرية والاستقلال. يظهر مروان أشد صلابة، وأقوى إرادة، وأكثر وضوحاً، وقد صقلته المعاناة الطويلة، ورسّخت قناعاته، وعمّقت مواقفه بأن الإحتلال هو سبب مأساة الفلسطينيين، وأنه لا يمكن التعايش معه تحت كل الظروف، وأنّ المقاومة هي حق مشروع لكل الشعوب المحتلة وعليها أن تمارس هذا الحق بإقتدار، وحكمة، وتوافق وطني، والتفاف جماهيري.
لم يكن مروان البرغوثي، كما عرفته في رحلتي الطويلة معه، في أي يوم من عمره النضالي، إرهابياً، بل كان وما زال، محباً للسلام العادل، القائم على إعطاء الحقوق لأصحابها، والساعي لوضع نهاية لأطول إحتلال في العصر الحالي، وإلاّ ما الفائدة من التشدق بعبارات السلام جهاراً نهارا وجرافات الاحتلال تنهش بالأرض الفلسطينية؟! ولم يكن مروان قاتلا كما تحاول سلطات الاحتلال أن تصوره في وسائل الإعلام، بل كان مقاتلاً من أجل حرية شعبه واستقلال وطنه.
عرفته مع بداية الثمانينات من القرن الماضي طالباً في جامعة بير زيت بعد خروجه من السجن، كانت حركة الشبيبة الطلابية إطارنا الجامع، حيث كنت أدرس في جامعة النجاح الوطنية، كنا نعيش في بدايات العصر الذهبي للشبيبة التي قال عنها مروان أنه إذا قدّر لها أن تنمو وتنتصر فإنها ستقصر من عمر الاحتلال. كان مروان لا يهدأ، يتحرك في كل الإتجاهات، لا يتعب، لديه طاقة متجددة للعمل، يستطيع تحريك مشاعر الجماهير في خطاباته الحماسية بسهولة، فهو خطيب مفوّه، وصادق، غير معقّد، يستوعب كل الأفكار والمواقف، يؤمن بدور المرأة وقدرتها على المنافسة والتفوق، يعشق أسرته، ويحترم أصدقاءه، يتمتع بشخصية قيادية ديمقراطية، ويعرف متى يتقدم الصفوف.
عرفته أكثر في رحلة الإبعاد التي تعرضنا لها نحن الاثنين، حيث الحنين الدائم للوطن، والذكريات، واللقاءات المشتركة، عرفت فيه الإحساس العالي بالمسؤولية، والإيمان المطلق بالوحدة الوطنية، والجرأة في إتخاذ المواقف الصعبة، فحينما عاد إلى أرض الوطن عام 1994 بادر مع مجموعة من الأخوة إلى تشكيل اللجنة الحركية العليا لقيادة العمل التنظيمي لحركة فتح، وحينما إندلعت إنتفاضة الأقصى عام 2000 كان جاهزاً لها، بل أنه كان بإنتظارها، لأنه كان أحد المبشرين بها، فأصبح ناطقاً رسمياً لها.
وأخيراً، وبعد مرور عشر سنوات على إعتقالك، نقول لك يا أبا القسّام، أننا أحوج ما نكون إليك بيننا، أنت وكافة الأخوة الأسرى، لأنكم عنوان المرحلة، وقادتها، ورموز الصمود والانتصار.