64 عاماً على احتلال فلسطين..
64 عاماً مضت على احتلال فلسطين وإنشاء الدولة الاسرائيلية . ما نراه بعد هذه المدة : أن اسرائيل تزداد تعنتاً. ذكرى النكبة لهذا العام تتميز بجملة من الحقائق الإسرائيلية على صعيد السياستين الداخلية والخارجية، المستندتين إلى خلفية أيديولوجية توراتية . هذه الحقائق لو أدركها العرب لما طرحوا مبادرات سلام مع إسرائيل، ولصاغوا استراتيجية وتكتيكاً سياسياً جديدين متوائمين مع هذه الحقائق من حيث مجابهتها، ولعل من أبرزها يتخلص في ما يلي:
أولاً: إن المشروع الاسرائيلي للمنطقة العربية وبفعل مستجدات واكبت تطور الصراع فيها، وبحكم حقيقة تتمثل في فشل إسرائيل في إقناع أغلبية يهود العالم في الهجرة إليها، فإن مشروع إسرائيل في بناء دولتها من الفرات إلى النيل وإن غاب عن أذهان البعض (حالياً) باستبداله من الاحتلال الجغرافي إلى السيطرة الاقتصادية وبالتالي السياسية، لكنه يتعمق في أذهان اليمين الإسرائيلي المرشح لازدياد قاعدة وهرم تأثيره في الحياة السياسية الإسرائيلية .
ثانياً: إن التحولات الجارية في داخل إسرائيل مذهلة في استطلاعاتها وكلها تشي بارتفاع نسبة الأصوليين بين اليهود إلى مستويات قياسية عالية، فقد قال بحث أجرته جامعة حيفا ونشرت نتائجه: إنه وفي العام 2030 ستكون نسبة المتدينين اليهود ما يزيد على 50%، من نسبة السكان اليهود وستتراوح بين 62-65%، وهذا سيعد انقلاباً هائلاً في الحياة المدنية الإسرائيلية، ليس من حيث تأثيراته في الحياة الاجتماعية ولكن بالضرورة في التداعيات التأثيرية على السياستين الداخلية والخارجية وتحديداً الصراع الفلسطيني العربي - الاسرائيلي أيضاً .
ثالثاً: المتتبع لمسيرة الداخل الإسرائيلي يلحظ وبلا أدنى شك أن إسرائيل تتفنن تماماً في المزاوجة بين القوننة والسياسة بما معناه: أدلجة السياسة الخارجية بقوانين في ما يتعلق بالصراع مع أعدائها، وأدلجة السياسة الداخلية بقوانين تعمل على تحصين إسرائيل من تأثيرات العرب في داخلها من جهة، ومن جهة أخرى تعبّد الأرضية لبقاء هيمنة يهودية في محاولة استباقية للتغلب على إمكانية قيام أغلبية عربية في إسرائيل (مثلما تشير بعض الاستطلاعات التي تتنبأ حصول ذلك في العام 2025).
بالتالي، هي تفرض مجموعة من القوانين العنصرية (بقراءاتها الثلاث في الكنيست)، وكان العام 2012 منذ بدايته مميزاً في فرض القوانين (منع العرب من الاحتفال بذكرى النكبة، إمكانية سحب الجنسية منهم . . الخ) إضافة إلى خلق واقع اقتصادي-اجتماعي في إسرائيل يصبح استمرار العربي في العيش في بلده مستحيلاً وبالتالي فليس أمامه سوى الهجرة .
رابعاً: تحقيق الاعتراف الدولي ب(يهودية إسرائيل)، ووفقاً لما ورد على لسان نتنياهو (آنئذ) وبعد مقابلة له في باريس مع ساركوزي (الرئيس المنتهية ولايته) فإن الأخير اعترف بهذه اليهودية، والعديد من الدول الأوروبية مهيأة لهذا الاعتراف .
جاء وعد بلفور في عام 1917 ليؤكد هذا الهدف، وكذلك نص قرار التقسيم للأمم المتحدة في عام 1948 على إنشاء هذه الدولة . إسرائيل في بداية تكوينها لم تركز على تحقيق هذا الشعار لاعتبارات تكتيكية ليس إلاّ، عنوانها: ترسيخ دعائم دولتها أولاً ومن ثم وحين تحين الظروف تطرح الشعار للاعتراف به دولياً.
خامساً: في ما يتعلق بسقف التسوية مع الفلسطينيين والعرب، جاء الشرط الإسرائيلي الجديد على الجانب الفلسطيني من أجل الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل كشرط مقابل الاعتراف الإسرائيلي بالدولة الفلسطينية العتيدة، في الوقت الذي تدرك فيه إسرائيل، بالمعنيين النظري والعملي، أن هذه الدولة (أو لو جرى تسميتها الإمبراطورية) ليست أكثر من حكم ذاتي على القضايا الحياتية لسكانها بعيداً عن أي مظهر من مظاهر السيادة . دولة كانتونات مقطعة الأوصال بلا قدس وبلا عودة للاجئين حتى إليها .
سادساً: ثبت بالملموس أن إسرائيل ترفض في صميم الأمر حل الدولتين، فهي ترى في وجود الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة نقيضاً لوجودها . من جانب آخر فإن تحقيق شعار يهودية الدولة يقطع الطريق على كافة الحلول المطروحة الأخرى: الدولة الديمقراطية العلمانية الواحدة، الدولة ثنائية القومية، وحتى حل الدولة لكل مواطنيها .
في الذكرى 64 للنكبة يمكن القول إن عودة الحقوق الوطنية الفلسطينية والأخرى العربية لن تتحقق ضمن الاعتراف الإسرائيلي بها، وإنما تصبح واقعاً عندما يجري فرضها على هذه الدولة الاسرائيلية المشبعة بالتعاليم التوراتية فرضاً..