ىالتضامن في التعليم العالي لمواجهة حلقة إعادة إنتاج الفقر في فلسطين
راية نيوز: يتعاظم في السنتين الأخيرتين حجم التعاونيات والشركات التضامنية في مختلف أنحاء العالم، من شركات تأمين صحي تضامنية، ون شركات وجمعيات زراعية تضامنية، ومن شركات تأمين التعليم التضامني، خاصة في فرنسا وإيطاليا، وفي مناطق متفرقة من أوروبا، وتعاظم حجم هذه المؤسسات والجمعيات والشركات التعاونية بشكل ملفت بعد انكشاف حجم الأزمة الإقتصادية العالمية. وبعد انكشاف زيف التقدم المالي المتسارع بطريقة مذهلة، ليتكشف حجم التلاعب المالي الرقمي في حجم انتعاش الإقتصادي العالمي، وليكتشف لاحقاً أن أحد أسباب الأزمة الإقتصادية العالمية حجم ونسبة التكاليف العالية للمدراء ورؤساء مجالس الإدارة في الشركات الكبرى في العالم. في وقت يعاني فيه الملايين من الجوع في شتى أنحاء العالم بما فيها دول تلك الشركات الكبرى. وفي حين أن مقومات التنمية في العشرات من البلدان النامية تقل مجمل احتياجات خططها التنموية عن حجم مصاريف مدراء ورؤساء مجالس الإدارة في الشركات الكبرى. ليتضح لاحقاً حجم الفضيحة الرأسمالية في تلك البلدان، وليسارع العديد من منادي انفتاح الإقتصاد بدون رقابة إلى ضرورة وضع مكابح للتعاملات المالية في تلك الشركات الكبرى، لأن انهيارها أبداً لن يصيب غير الموظفيين العاديين، في حين يخرج مدراء تلك الشركات من الأزمة بعشرات الملايين من الدولارات في حساباتهم الخاصة، والتي تقاضوها على مر سنوات قليلية من إدراتهم تلك.
أما فيما يخص عنوان هذا المقال، وما أردت أن يرتبط به، فإنه يعيد للأذهان آليات التضامن إبان الإنتفاضة الأولى، من حيث التعليم الشعبي، ومن دور التعاونيات الزراعية في شتى أنحاء الوطن، لست حالماً ولست رومانسياً بما يكفي لأنادي إلى العودة إلى الآليات تلك، لكن، لأطرح ببساطة إشكالية واحدة لا أكثر ولا أقل، ولأطرح في نفس الوقت مثالاً واحداً على الأقل لا أكثر. وتتمحور الإشكالية تحديداً حول دور التعليم في فلسطين في إعادة إنتاج الفقر، فالفقراء تقل فرصهم في الحصول على تعليم عالي، ففي حين يستطيع الأغنياء الدراسة في المدار سالخاصة، وبالتالي الإستفادة من مناهج تدريس مضافة مثل اللغة الإنجليزية، والتي باتت تعد أحد أهم مقومات إيجاد وظيفة في مؤسسات وشركات بلدنا هذا، يحرم الفقراء من تلك الفرص، كما يحرمون تماماص من الحصول على دروس خاصة فيما يتعلق ببعض المواد، مثل الرياضيات واللغة الإنجليزية والفيزياء تحديداً. وبالتالي تتضاءل فرص هؤلاء في التخرج بمعدلات دراسية تتيح لهم المنافسة على مقاعد الدراسة الجامعية القائمة على تنافس محدد بالعلامات والنتيجة النهائية لإمتحان التوجيهي. وفيما تتقاص فرص الفقراء في التنافس على تلك المقاعد المحدودة في الجامعات الفلسطينية، فإن الأغنياء على الأقل يحصلون على شروط أفضل للتنافس، لما يتاح لهم من فرص وإمكانيات التعليم الخاص والدروس الخاصة.
ويجب تذكير الجميع هنا إلى أن العديد من مدارس الحكومة واجهت أزمة نقص المدرسين من الذكور في بداية الفصل الدراسي 2009-2010 وهؤلاء كانوا من مختلف التخصصات إن لم أكن مخطئاً، في حين لم تواجه معظم المدارس الخاصة مثل تلك الأزمة. هذا أحد أوجه اللاتكافؤ في فرص التعليم، لمنه أبسطها في فلسطين، في حين تبقى أقساط الجامعات غير المراقبة وغير المحددة من طرف جهة رسمية أو وطنية، أهم التحديات التي تواجه تكافؤ الفرص، ففي حين تقل فرص الطلاب الفقراء من الحصول على تعليم أفضل -مع كل التقدير لدور جهاز التعليم في المدارس الحكومية، الذين لو تمت تلبية مطالبهم المحقة في موضوع الرواتب وتحسين ظروف عملهم لأدى ذلك لنتائج مرضية أكثر في التعليم الحكومي- لن أدخل في متاهة وضع التعليم في البلد، لأنه شائك ويحتاج لمعلومات أدق، إلا أنه حسب معلوماتي عن آخر ميزانية تم نشرها للحكومة الفلسطينية فإن حصة التعليم لا تتجاوز 8% من مجمل الميزانية العامة للسلطة الفلسطينية. إلا أنني سأتحدث لاحقاً عن تفاصيل مذهلة في أزمة التعليم في فلسطين.
أود في هذا المقال أن أشير إلى إشكالية إعادة إنتاج الفقر في فلسطين ودور المبادرات المجتمعية في كسر تلك الحلقة المكررة لذاتها والمنتجة للفقر. يعاني الطلبة الفقراء من فرص متاكافئة مع أقرانهم الأغنياء، وهؤلاء أي الفقراء تقل فرصهم في التحصيل الدراسي عادة، بإستثناء المتفوقين منهم، وبالتالي تقل فرص تنافسهم على مقاعد الدراسة في الجامعات الفلسطينية المختلفة، وذلك يؤدي بالضرورة إلى أن تقل فرص حصولهم على فرص عمل أفضل أو دخل أفضل. وبالتالي يبقون في دائرة الفقر، وكذلك تبقى أسرهم في دائرة الفقر، هذا عدا عن انخفاض نسبة إندماج الطلبة الفقراء في الأنشطة غير المنهجية مع المؤسسات الأهلية العاملة مع الشباب في مختلف المدن الفلسطينية، حيث أن غالبية رواد تلك المؤسسات من طلاب المدن والأغنياء بالتحديد منهم. وهذا يضيف للتمييز اللاحق بالطلبة الفقراء تمميز آخر، حيث أن تلك المؤسسات تساهم في بناء الشخصية للطلبة والخبرات المختلفة، وتعرفهم على المؤسسات وتفتح لهم أبواب العمل مستقبلاً. إن دائرة الفقر تلك يعاد إنتاجها من جديد، فالطلبة الفقراء غالباً ما يبقون كذلك في حين أن الطلبة الأغنياء تتاح لهم فرص عمل أكثر، وبالتالي نحرم الفقراء من الخروج من دائرة الفقر.
إن كل ذلك مجرد مقدمة لأشير إلى تجربة التضامن في دعم التعليم العالي. في العام 2002 كانت هناك سيدة تساعد طلبة الجامعات كي يكملو تعليمهم العالي، من خلال التبرعات لهم من مجموعة من الأشخاص بشكل فردي ومباشر. تطورت الفكرة لدى مجموعة من الشباب لتصبح هناك مبادرة مجتمعية بعنوان من طالب إلى طالب، حيث أن هؤلاء يحالوون دعم الطلبة الفقراء من خلال مجموعات من المتبرعين، من أشخاص عاديين وبمبالغ بسيطة، ويقومون بتشبيك الطلبة مع تلك المجموعات بشكل مباشر، ولاحقاً تم التفكير بأنه يمكن الإستفادة من المؤسسات الأهلية بذلك، والشركات الخاصة، والنتيجة كانت مغايرة لما توقعناه، حيث أن الشركات الخاصة قدمت أكثر مما توقعناه، في حين أن المؤسسات الأهلية إجمالاً كانت أقل مشاركة. ولا شك بأن أجندات التمويل تلعب دوراً في ذلك، لكن ما قمنا به هو التشبيك بين طلبة المدارس والجامعات والشركات. حيث قدمت بعض الشكرات مساعدات معينة، أهمها ما قدمته شركة أرامكس، حيث أنها دعمت في الفصل السابق أقساط عشرة طلاب جامعات، وفي هذا الفصل دعمت أقساط عشرين وطالب وطالبة في مختلف الجامعات عن طريق مبادرة من طالب إلى طالب، حيث تقوم الشركة بتحويل الأقساط للجامعات مباشرة بعد الإستقصاء عن أوضاعهم، وبحيث يكونم طلوب من هؤلاء الطلبة بالمقابل مساعدة 5 طلاب مدارس لكل طالب لتحسين تحصيلهم الدراسي في المدارس، وهكذا نحاول كسر حلقة إعادة إنتاج الفقر في فلسطين، فق من خلال تحسين فرص التعليم وتحسين فرص الطلبة في الحصول على حقهم في التعليم العالي. لأن أهم معضلة اليوم، هي تأمين أقساط الجامعات للطلبة الذين يحالفهم الحظ في دخول الجامعات الفلسطينية. إن ذلك يعد التحدي الأكبر اليوم للأسر محدودة الدخل في فلسطين، وبالتالي فإن مبادرة من طالب إلى طالب، والدور الذي لعبته شركة أرامكس يعد ريادياً بكل ما تحمل الكلمة من معنى، في مثل هذه التجارب يمكن تطوير مفهوم التضامن في مواجهة الفقر في فلسطين.