عوالم ضيقة: حلم مبتور يقتل "أمل"

2012-07-25 17:19:00
 الاخبار التي تناولت مقتل طالبة التوجيهي في طولكرم مبتورة، لا تتميز بمهنية تتوافق مع جلل الحدث، تغطية القضية غلب عليها الطابع الاخباري، والصحفيون تسابقوا كما العامة الى تجريم الجاني والى كيل الاتهامات ضد نظام اعلان نتائج الثانوية العامة الجديد، والمدافعون عن حقوق المراة وجدوا ضالتهم في القصة فعمموها على انها ظاهرة، وكأن قتل النساء مجاني في فلسطين، المتابعون لم يحاولوا سماع الطرف الاخر، فاخلوا بتوازن القضية. 

السؤال الذي لم يثره أحد، مفتاح القضية، هل تعرفون كيف يكون حلم الفقير، وربما يكون الحلم الاوحد، وكم يكون قتله صعبا؟ هل تعرفون ماذا تفعل الصدمة بالبسطاء، وكيف تكون ردود افعالهم؟ وماذا يحدث عندما تغلب العاطفة الرجال؟ وكيف ينهار من يكتشفون انهم يتعيشون على الوهم في عوالم ضيقة؟.
الاب، هو الحلقة الناقصة في التغطية الاعلامية والمجتمعية للقصة، فهل يكفي الدم الذي على يديه لاصدار الحكم. البسطاء احلامهم مشروعة، معلقون في حبلها السري، ان انفصلوا عنها ماتوا، والمجرم والضحية هنا متهمان بالحب.
الابنة - الحلم تفشل، والقصة ليست مجرد فشل اذ كان بامكانها ان تعيد موادها بعد شهر، الخوف الكبير الذي دفعها الى الكذب ليس خوفا عاديا، هو المرآة التي عكست جبل الامل الذي كان معلقا بها، هو الشفقة بابهى صور الحب على مشاعر والد بذل كل صغيرة كي تكون ابنته افضل مما كان، هو قتل الامل. الخلاف الذي دار على تخصصها الجامعي ليلة الجريمة هو الذي فجر الحقيقة، فالحالم كان يزين اقمار المساء لها ويشاركها في التخطيط ليفاجأ بانها اجهضت الحلم على قارعة الزمن، فانهار.
هذا الاب لم يقتل ابنته "امل" بل قتل حلمه الذي لم يتحقق والذي تمثل بنجاح وتخصص جامعي وربما وخلافا لما تم اصداره من احكام مبتورة، يكون الاب احن انسان على سطح الارض، بل واكثر الناس بعدا عن التمييز ضد المراة، وربما كان يؤسس لشراكة حقيقية معها على قاعدة كوني ما تريدين، لا انتظر ابني كي يكون فقط.
بائع الخضار لا خلفيات له ولا تعدد للرؤى، لم يقرأ حول الجندر ولم يعرف سوى ما يحتاج، لكنه يمارس الحب بالفطرة، يرى ابنته حلما كما الكثير من الاباء: تتخرج وتدخل الجامعة وتكون ما يريدها ان تكون، لانه يعول عليها وليس على ابنه فقط، وربما كان توفير قسطها الدراسي وثمن كتبها ومواصلاتها، همه الاكبر بعد رغيف الخبز، وربما كان يحلم منذ ان انهت امتحاناتها كيف سيبذل نفسه على ابواب المتنفذين لتحصيل منحة او دعم لدراستها، وحضر السناريوهات الكثيرة كي يحاول التوفيق بين مطلبه وكرامته، وربما يكون قد امضى حولا يعدها بان تدرس تخصصا ما ان حصلت على نتيجة جيدة، ويسهر معها الليالي يشجعها، يغفو على الامل، ويجعلها محورا لتكون ما لم يسطع.
ربما يكون هذا الاب مثل ابي- رحمه الله، كنتُ لعبته وحلمه وغده وامنياته ومحور كونه في تلك الفترة، كان يسهر معي طوال الليل على سطح البيت كي لا يفاجئني النوم، ويقضي الوقت خلف ستار على حبل الغسيل دون كلمة حتى لا يشتتني حضوره، وكان يدعوني للنوم بعد انتصاف الليل ويظل ساهرا كي اصحو مثل الفراشة على ندى الامنيات الرطبة عند الفجر ويذهب لينام ساعتين، ادرس فاجده قد اعد لي كأس الشاي الذي لا ازال اشتهي واطعمني حبة فواكه حتى لا اجوع وحضر لي ادعيته بالتوفيق كي ترافقني حارسا الى المدرسة. كان يتمنى ان احظى بنتيجة 95 % في الثانوية العامة كي ادرس في جامعة معينة كان يحلم ان يدرس بها، وكان يثق بي ولكن حصولي على 93.5% احبطه، شعرت بهذا عندما ابلغته النتيجة ولا الومه اذ منعني من الرقص فرحة، رغم انني من اوائل اللواء، لم يتكلم ولكنه شعر بانني انجبت له حلما مبتورا، فكف عن الحديث.
نجاحاتي اللاحقة كانت تشعره بالفخر ولكن ظل يوم نتائج الثانوية ثقيلا في الذاكرة لكل العمر الذي مضى، لم اكن لالومه على رده فعله، فقد بذل عمره ونفسه حبا كي يراني حقيقة; فشلها الذريع، اشعره بالصدمة ورمى ظلا ثقيلا ودماََ على كل المدينة، لا اعرف ان كانت ستلومه او اذا كان سيلومها بعد ان بذل عمره ونفسه كي يراها اكبر من دنياه الصغيرة.
الدم لم يغسل خطيئتهما الكبيرة، والموتى لا يمارسون جنونهم تحت التراب.