العرب واستراتيجية «مراوح الرمال»

2012-08-02 18:56:00
رام الله -شبكة راية الإعلامية:

من المقالات التي يتم تداولها الآن على نطاق ملحوظ، مقالة لمنظر اليسار الاميركي الجديد نوام تشومسكي، والتي حاول من خلالها أن يرصد (استراتيجيات إشغال الجماهير)! وإن كانت المقالة التي حصرت هذه الإشغالات بعشر استراتيجيات موجهة للرأي العام الأميركي والأوروبي بوجه خاص، فإن ما جاء فيها من تفكيكات وتركيبات لآليات التحكم بالمزاج الجماهيري، يكاد يتطابق حرفياً مع كثير مما نعتقد أن مراكز صنع القرار في الغرب قد طبقته على المجتمعات العربية، خلال السنوات العشر الماضية.

ولعل استراتيجية (مراوح الرمال) أو (ذر الرماد في العيون) تتربع على رأس هذه الاستراتيجيات التي استهلكت مشاعر وأفكار الملايين من العرب وأبعدتهم تماماً عن الانشغال بقضاياهم الداخلية الواقعية. ولا ريب في أن المبادرة للقيام بمحاولة أولية لإعداد قائمة بمفردات هذه الاستراتيجية لا يخلو من مغامرة، لأنه قد يوقع الكاتب في دائرة سوء ظن بعض القراء المتحمسين، وحتى أدلّل على حجم هذه المغامرة فسوف أخاطر بالقول: إن كل ما أثير وما زال يثار في الغرب من إساءات مرفوضة للذات الإلهية وللقرآن الكريم وللإسلام الحنيف ولنبيه الأكرم وللزي الإسلامي، ما هو إلا استدراجات مقصودة ومخططة تهدف إلى تهييج الرأي العام العربي والإسلامي وإقحامه في ممارسات وتصريحات معروف مسبقاً أن بعضها سوف يتجاوز حدود التعبير عن الإدانة والشجب إلى التطرف والعنف، وبذلك يتحقق لمن خطط لإثارة هذه الزوابع هدفان اثنان: إظهار العرب والمسلمين بمظهر المهووسين العصابيين مع أنهم الطرف الذي تم استفزازه من جهة.. وتوجيه طاقاتهم الوجدانية والذهنية بعيداً عن مشاكلهم الواقعية اليومية من جهة ثانية، والنتيجة هي ما يعرفه الجميع الآن طبعاً: لقد اشبعناهم شتماً وهم احتفظوا بصورة مجتمعاتهم الغربية المعتدلة التي لا يضيرها تصرف فردي متطرف هنا أو هناك، كما يحبون أن يؤكدوا للعالم دائماً.

هل نخاطر أيضاً إذا قلنا: إن سلسلة الأوبئة التي تم تسويق كل واحد منها على أنه طاعون العصر، تقع في نطاق المجال الحيوي لاستراتيجية مراوح الرمال؟ على أية حال، لست أول من يزعم أن المبالغة الشديدة في تصوير مخاطر الإيدز وجنون البقر وانفلونزا الطيور ثم انفلونزا الخنازير، قد حققت أهدافاً اقتصادية وسياسية عملاقة لمن خطط/ خططوا استراتيجية الأسطورة الخاصة بكل واحد من هذه الأوبئة على حدة! دون التقليل من مخاطر الأيدز وما تلاه من أوبئه مناعية فتّاكة، فإن الهستيريا الجماهيرية العارمة التي تم إحرازها في العالم بوجه عام، وفي الوطن العربي بوجه خاص، لم تتكفل بدرّ المليارات على أصحاب خطوط الإنتاج الخاصة بالأدوية والمضادات الحيوية فقط، بل إن حالات الرعب الجماعي فزعاً من هذه الوحوش المتربصة غير المرئية تكفلت بإدخال وعي الجماهير العربية في سبات عميق عام لسنوات عديدة، ومنعته من الانطلاق بحرية لمساءلة قضاياه المصيرية الوطنية والقومية والحضارية الملحّة!.

لن نضيف جديداً إذا قلنا إن الإعلام المرئي والمسموع والمقروء هو الرافعة الرئيسة لاستراتيجية (مراوح الرمال). وفي وطننا العربي، فإن فضائية عربية هي صاحبة قصب السبق دون منازع، وحسبك مثلاً على ما نقول فقاعة تسميم عرفات التي ما زالت تتفاعل في أوساط الشعب الفلسطيني، تؤتي أكلها تعطيلاً وتأخيراً لأبرز الاستحقاقات الوطنية الفلسطينية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً. وفيما ينهار مشروع الدولة الفلسطينية المنشودة وتنوء قطاعات واسعة من أبناء الشعب الفلسطيني تحت بأثقال الفقر والبطالة، فإن هناك من يريد لهذا الشعب أن ينشغل بمعركة دونكشوتية مع طواحين الهواء الاسرائيلية، فلا هو سيخرج منتصراً من معركته المزعومة مع اسرائيل، ولا هو سينجز مطلوب الانتقال من صيغة الكانتونات الهشة إلى صيغة الدولة المدنية الحديثة!!.\