ما بعد الثورات العربية
هل ستؤسس الحراكات الشعبية والتي أصطلح على تسميتها( بثورات الربيع العربي) لحالة من الاستقرار والوئام الاجتماعي، بعد أن يحسم الأمر في كل دولة، ويستدعي الموقف الرأفة بحال الشعوب التي تسلحت من أجل مساندة الشعب الفلسطيني في عملية تحرير أراضيه المحتلة من قبل اليهود، وهاهي تفاجأ بأن هذا السلاح يستخدم داخل أراضيها، حيث يوجه لصدور أبنائها ؟.
نطرح هذا السؤال، ونحن نتابع أحدث مستجدات هذه الثورات، ففي تونس التي انطلقت منها ثورة الشباب، نقرأ قبل أيام عن قيام قوات الأمن باستخدام “ الغاز المسيل للدموع “ ضد مجموعة من المتظاهرين الذين لم يقطفوا أيا من ثمار ثورتهم، وفي اليمن، تتكرر المواجهات المسلحة لأن تنظيم القاعدة يحاول العبث باستقرار البلاد، أما الوضع في الجمهورية العربية السورية، فقد بات مفتوحا ًعلى أسوأ الاحتمالات، حيث تتجلى معادلة تقاطعات المصالح الخارجية، وتحاول القوى العظمى التمركز حول مستقبل مصالحها الاقتصادية في المنطقة.
ثمة دلالات في آخر تصريحات رئيس الوزراء التركي، السيد رجب طيب أردوغان، فهو يشير إلى احتمالات مطاردة العناصر الكردية المسلحة المناوئة لحكومته، داخل الأراضي السورية؛ والسبب هو أن هذه العناصر تقوم بشن هجمات مسلحة بين الحين والآخر ضد مواقع الجيش التركي، وبالحسابات الميدانية، فإن تنفيذ مثل هذا التهديد، سيؤسس للمزيد من وقوع الخسائر البشرية داخل الأراضي السورية، ولن يكون سببا ً بتوقف الأكراد عن مطالباتهم بوجود هوية مستقلة لهم ضمن أراضيهم في جنوب تركيا.
نلمح في يوميات الخطاب الإعلامي الذي يغطي تداعيات المشهد الدموي في سوريا، جملة مفارقات، فقد خرجت الشعارات والعناوين المتداولة عن السياق الذي كنا نتوقع أنه يسعى لتطويق الفتنة، ومحاولة التذكير بأن ما يدور هو بين شرائح تنتمي لشعب واحد، تربطه أواصر القربى والمصاهرة والدين، وإن الهدف المنشود هو محاولة الخروج من المأزق بأقل التكاليف، وبدلا ًمن ذلك، بدأنا نسمع مصطلحات، مثل أم المعارك .. وما إلى ذلك من المفردات التي يجري توظيفها من قبل الجيوش، عندما تتقابل إما على الحدود للذود عن سيادة الوطن، أو في الحالات التي تبذل فيها الدماء رخيصة من أجل استعادة الحقوق التي يتم الاستيلاء عليها من قبل الأعداء بالقوة.
يعول أهل السياسة في إسرائيل، على أن ما يدور في بعض الدول العربية من مواجهات داخلية، سيحول دون وجود أي تهديدات أوأخطار محتملة على أمن ومستقبل اليهود في المنطقة، أما الأمر الاخطر والذي يتبناه خبراء العلوم الاجتماعية، فهو يذهب إلى القول بأن اللجوء للحدة، يؤدي لزيادة منسوب الأحقاد وتفشي الضغائن والفتن؛ ما يعرقل مسيرة الدخول بالمصالحات التي تقتضيها الظروف بعد أن يشعر الجميع بالانهاك وينال منهم التعب.
ويبقى الأمر المزعج، وهو أن علماء الاقتصاد يتوقعون بأن الدخل القومي للدول التي تمر بحالات مربكة نتيجة هذه الثورات، لن يغطي مصاريف الإصلاح أو خدمة بنيتها التحتية.