تيه القيادة
راية نيوز: لماذا لا تجرب القيادة أن تسمع صوت "العامة"؟ لماذا تصر القيادة على الإعتقاد بأن " العامة" عاجزة عن التفكير؟ ثم يرشحون أنفسهم بدلاء عنها، يعبرون ويفكرون عنها؟! لا يزال الفكر الفلسطيني في كثير من مسارته يركز على اتجاه واحد فقط من العلاقة الجدلية بين" اليومي" و "القضية الفلسطينية" ليس على صعيد التنظير فقط بل من خلال "الفعل" الذي تقوم به الجهات المعنية بالقضية، مما يعمق الهوة بينهما. وهنا علينا اظهار كم يجب ويمكن أن تكون القيادة و "العامة" لصيقين، ليس بالأحلام والطموحات بل بالحياة الواقعية واليومية. مع الأخذ بالتركيز "الخطاب اليومي للعامة" المغيب والذي لا يعبأ به المثقفون والقيادة. دون ذلك لن يكون لنا ثقافة تحررية وطنية تساهم في مشروع تنموي ينقلنا من التيه والضياع الى الوجود والفعل. ادعي انه عندما يتحدث القائد، فهو في الواقع يتحدث عن مرجعية ذاتية أكثر مما يتحدث عن مرجعية جماعية تمثل فئة يمكن أن تسميها وأن تضعها بين قوسين" العامة" وأيضاً" القيادة التابعة أو المحيطة". ففي مؤتمراتنا وندواتنا واللقاءات الاعلامية يجري التصرف والتداول وفق هذا الافتراض، الذي تتوسم به القيادة ، أنهم يعون المشكلة أولاً، ويعون أجوبتها ثانياً. وهذا برأيي زعم غير صحيح علمياً، وغير صحيح واقعياً، فالوعي بالمشكلة مسألة صعبة جداً وبشكل فادح. واعتقاد القائد بنفسه أنه يعي المشكلة هو غطرسة كبيرة ووهم كبير. وللتوضيح: حينما قلت ان القائد ينطلق من مرجعية ذاتيه لا من مرجعية جماعية قصدت أنه يتكلم بصوته ولا يتكلم بصوت الجماعة. على القائد "القيادة" التنازل والتواضع مع أنفسهم، ويدرك كل قائد أنه يتحدث من مرجعيته هو لا من مرجعية الأمة. القائد ليس هو الأمة، الفرد العادي، الفرد العامي، أسميته"أمة" لأنه يتحرك بوجدان الأمة وليس في ذهنه فرز حاد بين ما يعتقده هو كمحصلة ثقافية وبين ما تعتقده الجماعة، يذوب عنده الخاص بالعام فيتحرك بفعل الحس العام. اما القائد فلا يتحرك بفعل الحس العام، وإن كان كل قائد _وما أكثرهم_ يعتقد ذلك. فالقائد ليس وجدان الأمة ولا صوتها ما لم يمثلها. القائد ذات متكونة من مرجعيات ثقافية هو نفسه قام بإختيارها وغذى نفسه بشكل مستمر بها. ولدينا قادة يوالون ويخلصون لفكر لا علاقة له ببيئتنا مثلاً...كذلك نجد في المقابل آخرين يعيشون ويفكرون بالطريقة التي كانت سائدة قبل عشرة قرون!! وبالتالي فهو وعى ذلك أم لم يع يفصل بين ما هو عام وما هو خاص، هذا على مستوى الإدراك الذهني. أما على صعيد الممارسة اليومية فالوضع أدهى لأن القائد منعزل مع قيادات أصحاب المصالح " مع الاختلاف الفكري والآيديولوجي" منعزل بأفكاره وتصوراته ورؤاه التي تكون في الغالب مثالية وبعيدة عن المحك اليومي، عن الناس . قيادتنا وصانعي القرار يعيشون في جو غير موجود ناسه...ومجتمعه، مما يخلق حالة من الانفصام الحاد بين الوطنية والوطن والجماعة والاجتماعي. وهذا ما يجب علينا أن نقف إزاءه متفحصين. وفي زعمي أن هذا الانفصام هو الذي يقف ضد نجاح الأطروحات الثقافية والسياسية والندوات والملتقيات. يحضرني هنا مثال جمهورية أفلاطون ..كان العبيد في المجتمع الأثيني أربعة اخماس المجتمع ومع ذلك فقد كانوا خارج إطار تلك الجمهورية وخارج المجتمع الإغريقي، إذ كانوا يعيشون حالة الغاء ..كذلك النساء..نحن نكرر مثالاً قريباً جداً. فالقيادة الفلسطينية تلغي فئة كبيرة من المجتمع وربما أكبر من فئة العبيد في المجتمع الأثيني اذا ما حسبنا اللاجئين والمغتربين خارج أرض الوطن. أخشى ما اخشاه أن يسود تيار ما، بفعل عوامل لا علاقة لها بالناس و بـ"اليومي" . أصعب شيئ ان يعتقد فئة من الناس انهم وصلوا الى النقطة التي يظن فيها أنه حقق الجواب عن الأسئلة الإنسانية الصعبة فقد يكون وصل الى نهايته. إذا رأى الإنسان نفسه أنه استغنى، فسيطغى ..وان طغى الانسان، قضى على كل شيئ. على نفسه وعلى الآخرين لو نظرنا الى الطغاة في العالم لرأينا أنهم صادقون مع أنفسهم. ومن أكثر المثاليين مثالية..واذن لما هم طغاة؟! لأنهم يعتقدون أن ما يرونه هو الأصلح للجميع!! وبالتالي يجبرون الجميع على ما يعتقدون أنه الخير العام. وهنا المشكلة. القيادات تقع في أخطاء، وأخطاؤها متشابهة لأخطاء الماضي، ومثلما يهرم الإنسان فإن القيادة تهرم وتصاب بالأمراض والعلل..وتقلب المزاج. وهنا أيضاً مأزق القيادة الفلسطينية..تهشمت ولا تزال تتهشم وتهشم نفسها. ومن الطبيعي أن يحاول الاخرون إحباطهم وهذه ليست المشكلة، المشكلة هي هشاشتهم الى درجة قابليتهم للتهشم. لا عذر لقادتنا أن يقولوا إن قوة ما تضطهدهم لأن القائد سيضطهد بالضرورة وحتى من قبل قيادات أخرى تحمل الصفة المشتركة للقضية. لكن البلاء أن ينهزم القائد أمام الإضطهاد. نحن دائماً نبحث عن الخلل في غير مواطنه لأننا نحاول الهروب من مواجهة الأسباب الحقيقية لخللنا. قيادتنا تلعب لعبة القائد المنظر الذي يعرف كل شيئ ولديه كل الحلول لكل المشكلات وإن وجدت عيوب فهي ليست منه بل من هؤلاء وأولئك! هذه هي اللعبة التي يمارسها القائد وعلى هذا القائد أن يستحي من نفسه. آن الأوان لكي تستحي القيادة من أنفسها " إذا لم تستح فإصنع ما شئت" قيادتنا تصنع ما تشاء. لكن اذا استحت فستصنع ما تعتقد انه يجب أن تصنعه. ستضع حد لرغباتها الخاصة ولمشيئتها.