بماذا يفكر شاب اعتقل في مواجهات واد الجوز؟
راية نيوز: في الوقت الذي لم يتوقع أحد حدوث شيء، حدث كل شيء، وفي الوقت الذي انشغل الجميع في تحضير أنفسهم ليوم عادي جميل، كان آخرون يحضرون أنفسهم لما لم يكن في يوم من الأيام شيئاً عادياً، فخرج البعض إلى أعمالهم وهمومهم اليومية، وربما لأرباحهم اليومية، وخرج آخرون للمواجهة. ولكن ما الجديد في مواجهات القدس، وما الذي جعلها يوم الثلاثاء مختفلة عن غيرها؟! أليست مجرد مواجهات عابرة في زمن سريع التقلب؟ أليست مناظر اعتدنا عليها في قلنديا مثلاً؟ أليست موجة غضب سريعا ما تزول، ليبدأ الأهل زيارة أبنائهم الجدد في سجون الإحتلال؟ بكل بساطة وبدون تردد أو حماس زائد، لا لم تكن شيئاً عادياً، ولا سحابة صيف عابرة، صحيح أنها قد تنطفئ سريعاً، لكن رسالتها كانت واضحة.
ما الذي اختلف في صبيحة الثلاثاء المشتعل؟ وما الذي جاء به رد الناس لم يكن مشابها لما قبله من ردود المواجهات الأسبوعية في قرى الجدار المستمرة في المواجهات التي حيرت الإحتلال، لدرجة أن يقوم بتوجيه تحذير رسمي للسلطة الفلسطينية على ضرورة وقف الأنشطة والمسيرات الأسبوعية ضد الجدار...
عندما يخرج الناس بدون تنظيم من أحد، وبدون لجان تجتمع وتقرر وتخطط وتنفذ، وبدون أحزاب تنظم وتمول وتعبئ، وبدون قرار من أحد، فإن المتغير الأول له أكبر دلالات على خصوصية مواجهات الثلاثاء المشتعل. ولعل هذا المؤشر الأهم، فالناس ملت أحاديث السياسة المستهلكة، والإشتراطات الفلسطينية الصورية على إطلاق المفاوضات مباشرة كانت أم من تحت الطاولة! وهو مؤشر قوي للأحزاب والفصائل السياسية المنشغلة في صراع الديكة عبر شاشات التلفزة ليل نهار، لأن قيادتها للناس شارفت على أن تصبح جزءاً من إرث قديم، فلم يعد الناس مؤمنين بالإعتقال من أجل راية حزب سياسي، بل هم مستعدون لرفع العلم الفلسطيني على سور القدس العتيق، وهم يحاولون معرفة أي عصبة من حرس الحدود ستنقض عليهم بعد لحظات. والسؤال هنا من ستقود تلك الأحزاب من الآن فصاعداً عدا عن أعضائها المستبسلين في سبيل أحزابهم؟ ومن سيرفع علماً ملونا بغير ألوان الوطن ليتم اعتقاله مثلاً؟
أما المؤشر الآخر، فهو أن الفلسطينيون في القدس، يشعرون كما لم يشعروا من قبل، بأنهم تركوا وحدهم لمواجهة سياسات التطهير العرقي المتبعة من قبل بلدية الإحتلال ومن قبل وزير الأمن الداخلي. فما الذي قدمته القيادة الفلسطينية، ورجال الأعمال الفلسطينوين، والأحزاب الفلسطينية، والمؤسسات الأهلية... الخ لمساندة بقاء هؤلاء في القدس؟ كم منزلاً تم شراءه من قبل فلسطينيين في السنة الأخيرة مقابل البيوت التي يتم الإستيلاء عليها في البلدة القديمة وفي الشيخ جراح وسلوان وغيرها من مناطق القدس؟ كم مدرسة تم دعمها، وكم فرصة عمل جديدة تم تأمينها هناك؟ إن الشعور بالخذلان هو الطاغي على المقدسيين، ومن لم يقرأ ذلك في مواجهات الثلاثاء فإنه يحاول سفلاً تبرأة نفسه من خطورة القادم على القدس.
إن المؤشرات كثيرة، لكن من أهمها كذلك أن المواجهات شملت كافة مناطق القدس، وحتى في أحياء لم يسبق أن حدثت فيها مواجهات، لأنها باختصار مناطق ميتة للمواجهات، محاطة بمراكز الشرطة، وكاميرات المراقبة، ودوريات حرس الحدود، إن حجم ما حدث في القدس، لا يمكن مقارنته بعيدا عن الظرف الذي يحيطه، فأن ترمي حجراً في القدس، فإنه يعني أنه إن لم تعتقل اليوم ستعتقل بعد يومين، لأنك كمن يرمي حجراً في منحلة ومن داخلها. حاولوا أن تلقوا حجرا على جندي داخل معسكر مغلق... بماذا كان يفكر شاب تم اعتقاله في وادي الجوز من قبل المستعربين؟ أجازف لأجيب عنه، ربما قال بينه وبين نفسه، وين السلطة؟ وين الناس؟ وين اللي بشوفهم كل يوم على التلفزيون؟ بسيطة، ست سبع أشهر وبطلع، المرة كانت حجار وبس... والمرة كانت على الجيش وبس؟
Ihab_jarere@yahoo.com