هل أضحت الحرب الإسرائيلية على الأبواب؟
يكاد لا يمر يوم واحد من دون أن يطالعنا الإعلام بخبر جديد عن استعدادات ومناورات عسكرية إسرائيلية لحرب ضد إيران و/أو سوريا ولبنان . وتنتشر على صفحات الصحف سيناريوهات محددة عن هذه الحرب التي يستعد لها من تستهدفهم من إيرانيين ولبنانيين وسوريين وفلسطينيين . فهل باتت الحرب الإسرائيلية فعلاً على الأبواب؟ أم أن ما يجري مجرد حرب كلامية تهدف بالتحديد إلى تفادي الحرب الحقيقية؟
ما تزال معادلة كلاوزفيتز صالحة إلى اليوم: الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى . بمعنى آخر لابد للحرب من أن تحمل أهدافاً سياسية تتوخى تحقيقها في ظروف داخلية وخارجية مؤاتية وفي ظل ميزان للقوى يغري بشن مثل هذه الحرب . وفي نظرة إلى الوراء فإن كل حروب إسرائيل على الدول العربية تحصنت بجبهة داخلية كانت مستعدة لها وبدعم أمريكي و"تفهم" دولي ناهيك عن عنصر المفاجأة وقوة النيران وغيرها من العناصر الضرورية للانتصار العسكري .
ومن المعروف أن إسرائيل تنظر اليوم بقلق بالغ إلى عجز العالم عن وقف البرنامج النووي الإيراني بالطرق الدبلوماسية، وتسعى بكل الطرق لإقناع الأمريكيين بأن لا مناص من توجيه ضربة عسكرية قاصمة إليه . ويبدي هؤلاء تفهما حيال حليفهم المدلل واتفاقاً معه حول جسامة الخطر النووي الإيراني لكنهم يفضلون إعطاء مهل إضافية للدبلوماسية وإقرار العقوبات عن طريق الأمم المتحدة .
وهذه الأخيرة تبدو عاجزة أمام رفض الروس تارة والصينيين طورا لمثل هذه العقوبات والتي وإن تم إقرارها في النهاية إلا أن الجميع يعرف مدى محدودية تأثيرها، والوقت الذي تتطلبه لتبيان فاعليتها . والإسرائيليون يستعجلون إنهاء الملف الإيراني لكنهم ليسوا بمستعجلين أو آبهين لتسوية مع العرب لا تلبي كل رغباتهم .
وهم يستمرون في الاستيطان رغم أنف العالم كله ولا يترددون في إهانة الولايات المتحدة نفسها عندما يعلنون عن بناء المزيد من المستوطنات لدى استقبالهم لكبار المسؤولين الأمريكيين وآخرهم نائب الرئيس بايدن ناهيك عن جورج ميتشل وهيلاري كلينتون . ومن المؤكد أنهم يطمحون إلى إعادة الاعتبار لجيشهم الذي فشل في حرب تموز 2006 فيستمرون في تطوير قدراتهم التسلحية وينظمون المناورات العسكرية ويوزعون الأقنعة الواقية على سكانهم ويدربونهم على ظروف الحرب . لهذه الأسباب وغيرها فإن معظم المراقبين أضحوا على قناعة بأن إسرائيل تخطط لشن حرب مباغتة على إيران وحزب الله في وقت واحد وربما سوريا إذا لم تبق على الحياد .
الأجواء تعبق إذن برائحة البارود والمنطقة تعيش على كف عفريت وتبدو الحرب وكأنها باتت قاب قوسين أو أدنى .
ولكن . . . لنبدأ بالبيئة الدولية والإقليمية هل هي مؤاتية بالفعل لمثل هذه الحرب؟ الجواب لا بكل بساطة . فأصداء تقرير غولدستون ما تزال تتردد في العواصم الغربية كذلك تداعيات اغتيال المبحوح والتقارير عن خروقات إسرائيل المستمرة للقرار 1701 ما يحرمها من أي تعاطف أوروبي ودولي لاسيما وأن إدارة أوباما ما تزال ترفض منطق الحرب، الأمر الذي أعلنه نائب الرئيس بايدن خلال زيارته الأخيرة لإسرائيل التي استخدم معها لغة الدعم المفرط والتطمين مع التحذير في الوقت نفسه من عواقب قيامها بأي عمل عسكري غير مبرر .
أما عن البيئة الداخلية فتدل عليها كل استطلاعات الرأي التي تنشرها تباعا الصحف الإسرائيلية وتبين عن خشية الجمهور من الحرب وعدم استعداه النفسي لها . ما تزال نقطة الضعف الإسرائيلية تكمن في هشاشة الوضع الداخلي العاجز عن الصمود طويلاً في حرب تطاول مدنه وقراه ومنشآته الحيوية
عن الثمار السياسية المتوخاة من الحرب المحتملة فإن الأمل ضعيف في أن تتمكن "إسرائيل" من القضاء المبرم على حزب الله حتى لو تمكنت قواتها من احتلال كامل الأراضي اللبنانية .
لا بل إن مثل هذا الاحتلال سوف يكشف هذه القوات أمام عناصر المقاومة كما سبق وحدث بعد اجتياحها واحتلالها للبنان في العام 1982 . وللتذكير فقط فإن حزب الله وجد كرد فعل على هذا الاحتلال وما يزال يستمد قوته من احتلال مزارع شبعا وتلال كفرشوبا بعد نجاحه في تحرير الأراضي التي كانت تحتلها إسرائيل بالقوة . والأمر نفسه ينطبق على البرنامج النووي الإيراني، فإن السيناريوهات التي نشرتها صحيفة "يديعوت احرونوت" مؤخراً تتوقع بأن يعود هذا البرنامج إلى النشاط المتسارع بعد العملية العسكرية الإسرائيلية المحتملة والتي ستشكل ذريعة لإيران كي تسعى إلى امتلاك السلاح النووي .
وإذا كانت الثمار السياسية المرجوة من الحرب غير مؤكدة، وإذا كان الدعم الدولي هو الآخر غير مؤكد، هذا إذا افترضنا أن الأمريكيين اضطروا إلى مساندة إسرائيل أمام الأمر الواقع، فهل يمكن لهذه الأخيرة المجازفة بتلقي عشرات الآلاف من صواريخ إيران وحزب الله التي قد تصيب تل أبيب نفسها ومنشآت حيوية كمعامل كهرباء ومصانع بتروكيميائية وربما مفاعلات نووية وغيرها؟ من دون أن ننسى امكانية توسع الحرب لتشمل سوريا ومضيق هرمز والقواعد العسكرية الأمريكية والمنشآت النفطية في المنطقة وغير ذلك من سيناريوهات الرعب العسكري والاقتصادي والأمني التي باتت معروفة نتيجة تداولها في الإعلام العالمي وتقارير الخبراء الدوليين .
الحرب لا تقوم إلا بناء على حسابات عقلانية مدروسة بدقة لامتناهية وأي خطأ في هذه الحسابات قد يؤدي إلى التهلكة . وإسرائيل هي من أكثر الدول في العالم هشاشة أمام مثل هذا الخطأ، وبالتالي فهي أكثر الدول تردداً في ارتكاب فعل قد يحتمل مثل هذا الخطأ .
وفي المدى المنظور على الأقل فإن الحسابات العقلانية لا تؤيد القيام بمثل هذه المغامرة . جل ما في الأمر أن إسرائيل تخشى من قيام حزب الله بعمل انتقامي كبير رداً على استشهاد عماد مغنية فتسعى للبرهنة عن جهوزيتها للرد إذا ما حصل مثل هذا الانتقام .
ومن جهته فإن حزب الله الذي يخشى من نوايا إسرائيلية مبيتة يعمل من خلال خطبه الحماسية على لجمها فالسيد حسن نصرالله ما انفك يعلن بأنه يسعى تحديداً لتجنب الحرب . أما إيران فإنها بنبرة التحدي العالية تسعى لحماية برنامجها النووي واكتساب المزيد من الوقت كي ينسل إلى نهاياته المرسومة .