متى يقرر مجلس الوزراء حدا أدنى للأجور؟!
راية نيوز: أصدرت محكمة القضاء الإداري في مصر حكما في اليوم الأخير من الشهر الفائت, ألزمت فيه كلا من رئيس الوزراء المصري السيد أحمد نظيف ووزير التنمية الإقتصادية المصري, بوضع حد أدنى وعادل للأجور في مصر يتناسب مع نفقات المعيشة والزيادة في الأسعار.
وسرعان ما قفز الموضوع إلى ذهني, وتساءلت عن السر الذي يمنع مجلس الوزراء الفلسطيني عن إصدار قرار يحدد الحد الأدنى للأجور حتى الآن, وبخاصة أن قانون العمل الفلسطيني رقم 7 لسنة 2000, قد نص على تلك الضرورة قبل تسعة أعوام من تاريخه وتحديدا في المادة 87 حيث قال " تقوم لجنة الأجور بالمهام التالية 1- دراسة السياسة العامة للأجور ومدى ملاءمتها لمستوى المعيشة وتقديم التوصيات بشأنها إلى مجلس الوزراء. 2- تحديد الحد الأدنى للأجور على أن يصدر به قرار من مجلس الوزراء ".
الغريب أن مجلس الوزراء قام بخطوة صحيحة في هذا الإتجاه حينما أصدر قرارا بلائحة لبيان كيفية تشكيل وتأليف لجنة الأجور الوطنية عام 2004, لكنه بعد ذلك خلد إلى الراحة وسكن إليها لمدة طويلة. ومنذ ذلك التاريخ لم يتقدم موضوع الحد الأدنى للأجور في حدود ما نشر. وهذا يذكر بما حدث لقانون العمل ذاته حينما قبع في أدراج الرئيس الراحل سنة ونيف دون توقيع منه ودون إصدار له, حيث كان الرئيس يتعرض لضغط كبير من أصحاب العمل لئلا يوقعه لأنه سيكلفهم أموالا باهظة فوق طاقتهم ولا تتحملها ميزانياتهم وفق قولهم. ولكن الرئيس أنهى هذه الضغوط ووقعه في نهاية عام 2001 وأمر بنشره في 11/25/ 2001 والعمل به بعد شهر من ذلك النشر. علما أن القانون كان جاهزا من29/ 3/ 2000 للتوقيع والنشر, بعد أن كان المجلس التشريعي قد أقره.
وما زال البعض يكرر مقولة أن قانون العمل الحالي يرهق موازنات أرباب العمل, ويحاول الكثيرون منهم اجتزاء أحكامه أو التصالح مع أحكامه والتنازل عنها. وتستهوي وجهة النظر هذه الكثيرين وبخاصة الرسميين اللذين يحابون أرباب العمل بشكل أو بآخر بدل أن يحابون الطبقة الضعيفة وهم العمال. بل وصل الأمر إلى أن نقابات العمل نفسها ,غضت الطرف عن هذا المطلب الحيوي والواجب القانوني الذي قرره القانون الأساس, وميثاق الحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية لعام 1966, ومواثيق منظمة العمل الدولية, وكأنها قبلت وجهة النظر الرسمية فتغاضت عنه. وبالتالي بقي قرار تحديد الحد الأدنى للجور مجمدا رغم أهميته وحيويته وضرورته الماسة. ويجب أن لا يؤجل تحديد الحد الأدنى للأجر بحجة أن العمال نالوا الكثير من الإمتيازات بموجب قانون العمل الجديد رقم 7 لسنة 2000. فالقانون الجديد شابته الكثير من النواقص, وإن كانت هناك نصوص جيدة فيه وحمل إنجازات لا يمكن إنكارها.
ويبدو أن عدم إصدار قرار بتحديد الحد الأدنى للأجور حتى يومنا هذا, وتأجيله المتواصل لأكثر من ثمان سنين, عبر الحكومات المتعاقبة, هو نفي لنصوص القانون الأساس الفلسطينية وهي الأسمى والأعلى حول العمل واحترامه وتوفيره, وهي أيضا نزع لصفة الحق القانوني عنه كما نصت على ذلك المادة الثانية من قانون العمل ذاته. كل ذلك يتنافى مع أبجديات القانون من حيث التطبيق والإحترام والإلتزام به. فالقانون يوضع حتى يتم تنفيذه وليس لعدم تنفيذه.
القضية ليست شائكة أو معقدة حتى تأخذ كل هذا الوقت, كما أنها ليست شرا مستطيرا حتى ينبذها الجميع بما فيهم أهلها. أضف أنها لن تكلف الحكومة التزاما ماليا بل أرباب العمل الذين يستخدمون العمال. فالحكومة تستخدم موظفينا وليس عمالا. بل يمكن تحميل كثيرا من موازناتها لشركات التأمين.
وتقتضي العدالة الإجتماعية أن يقوم مجلس الوزراء بتقرير الحد الأدنى لأجور العمال في فلسطين, وإلا سيفتح الباب واسعا نحو التعسف بحقوق العمال. وكأن ما شرعه قانون العمل وامتيازاته بيد, يتم سحبه باليد الأخرى. فعدم تحديد الحد الأدنى للأجور سيؤدي إلى تسفيه كثير من الحقوق العمالية وإنقاصها بل تقزيمها, وعلى رأسها المكافئات العمالية وإصابات العمل والتعويضات. ذلك أن الحد الأدنى للأجر يجب أن يلبي الحاجات الأولية للشخص وأسرته من غذاء ودواء ومسكن وصحة ورفاه اجتماعي وتضخم وتعلم, فإذا لم يأخذ هذه العناصر بعين الإعتبار فقد الأجر قيمته الحقيقية. نحن هنا لا نطالب الحكومة بتأمين مخصصات بطالة كما هو حاصل في كثير من الدول المتقدمة, ولكن بتأمين حد أدنى للأجر. فمن خلاله تكفل الدولة للعامل مستوى أدنى من العيش الكريم وليس ما يقرره رب العمل, وفق ما يقول المثل التقليدي " لحم اكتافه من خيرك " . وكل ذلك لا تدفعه الحكومة لأنها ليست مشغلا, ولكن الحكومة تضمنه وتضمن عدم النزول عنه .
دعونا نأخذ مثالا بسيطا, لو أن الحكومة الفلسطينية مثلا, حددت الحد الأدنى للأجر بألفي شاقل فلا يستطيع أيا من أرباب العمل تحديد أجر العامل بأقل من ذلك بل أكثر منه. وعليه تكون تعويضاته مرتبطة بأجره الأدنى أو الذي اتفق عليه وهو حتما أعلى من الأدنى. أما في حالة عدم وجود قرار فلسطيني حكومي بتحديد حد أدنى للأجور, فيمكن لرب العمل أن يقرر أن أجر العامل هو ألف شاقل مثلا. فليس هناك على الإطلاق ما يشير في قانون العمل الفلسطيني إلى أن ألأجر يجب أن يكون كذا من كذا أو أي تحديد له بل إن التعريفات في المادة الأولى تساعد على اللبس وعدم الوضوح في موضوع الأجر.
ويزيد الأمر سوءا وتفاقما, إذا تم حسبان قيمة إصابة العمل وفق عدم تحديد الحد الأدنى للأجر. حينها يفقد العامل مصدر قوته ورزقه اعتمادا على تعويضه عن إصابة العمل. وهذا التعويض يتضاعف لو أن هناك حد أدنى للأجر, وينزل إلى الحضيض إذا لم يكن هناك حد أدنى للأجر. وأرجو أن لا يشار إلى أن سبب الإمتناع عن تقرير الحكومة الحد الأدنى للأجر عائد بسبب التضخم والعوامل الإقتصادية والتصدير والإستيراد والسوق, فنحن اقتصاد مشوه يعيش على الإعانات والهبات.
تحديد الحد الأدنى لأجر العمال وتقريره من قبل الحكومة الفلسطينية كما أوجبه قانون العمل الفلسطيني وانظمته, مصلحة حقيقية للطبقة العاملة والمجتمع الفلسطيني عموماً تصب في العدالة الإجتماعية والأود الفلسطيني ويجب الا يتم التأجيل فالتأجيل لص الزمان والمكان والتسويف مضيعة للوقت. ويجب أن تتراكم حقوق العمال حتى تغدو أمرا ملموسا على الصعد كافة, وتقدم الرعاية والأمن والسكينة للعمال فالفقر ليس إثما.