منطق أوباما لإقناع ذئاب المال
راية نيوز: تتلخّص السياسة المالية للرئيس الأمريكي باراك أوباما في محاولته إقناع الذئاب بالتهام حاجتهم الطبيعية فقط من اللحوم الحية لقطعان الأغنام! ففي 22/4/2010 خاطب مجموعات الضغط المالية النيويوركية، الهائلة النفوذ في البيت الأبيض وخارجه، قائلاً أنّه يريد نظاماً مالياً يسمح لابتكاراتهم بالازدهار من جهة ويحمي المستهلكين من جهة أخرى! وأضاف موضحاً أنّه لا يريد أسواقاً غير محصّنة ضدّ الأزمات، ولا أسواقاً تخنقها قوانين مقيتة تكبح روح المبادرة الاقتصادية والإبداع.
ولكن ما هي 'ابتكارات' وحوش أسواق المال الربوية، وما هي مبادراتهم وإبداعاتهم التي ينبغي حمايتها ورعايتها؟ إنّها حقاً مجّرد التفنّن في تمزيق جلود الناس عموماً، في الولايات المتحدة وخارجها، ولعق دمائهم وازدراد لحومهم! وهكذا فكأنّما الرئيس أوباما يطلب من الذئاب، لمصلحتهم، أن لا يندفعوا في غاراتهم (مخاطراتهم الرعناء كما وصفها) إلى الحدّ الذي يفنى معه قطيع الأغنام! قال الرئيس بالحرف: 'أريد منكم الانضمام إلينا بدلاً من محاربتنا'! أي أنّ الراعي يريد التحالف أو التصالح مع الذئب في أدغاله.
وأغرب ما في الأمر، بصدد تناقض الخطاب الرئاسي الأمريكي، أنّ الرئيس أوباما قال بوضوح تام، أمام ذئاب نيويورك، أنّه: 'خلف كلّ دولار يجري تبادله أو الاقتراض عليه (في أسواق المال الحرام) هناك عائلة تسعى إلى شراء مسكن (بدلاً من الذي فقدته في الأزمة؟) أو لتسديد نفقات تعليم أولادها، أو لتأسيس مصلحة تجارية (متواضعة) أو للادّخار من أجل التقاعد! لقد حذّر أوباما مستمعيه من السخط الشعبي ضدّ المصارف، وأشار إلى الآليات الغامضة في لعبة تداول المشتقات المالية (الغامضة) التي لم تستطع القوانين متابعة تعقيداتها. لكنه، على الرغم من الاستحالة، لم يجد ما يفعله سوى محاولة إقناع الذئاب بمنطقه.
والأمر الآخر الذي يثير الاستغراب في موقف الرئيس أوباما، وفي خطابه الداعي إلى تعاون المصارف معه في سياسته المالية، أنّ لويد بلانكفاين، المدير التنفيذي الأول لمصرف 'غولدمان ساكس'، كان من أبرز الحضور الذين استمعوا إليه! لماذا الاستغراب؟ لأنّ هذا المصرف يواجه دعاوى قضائية أمريكية وأوروبية تتهمه بالتلاعب والاحتيال والنصب على عملائه أفراداً وشركات وحكومات، أي أنّ مكان بلانكفاين هو السجن، أو خارج القاعة على الأقل، وليس الجلوس في مقدّمة المستمعين إلى خطاب الرئيس. يقول كارل ليفن، رئيس لجنة التحقيق الفرعية الدائمة التي شكّلها مجلس الشيوخ، أنّ مصرف 'غولدمان ساكس' (وغيره) لم يكن مجرّد وسيط، بل شجّع بقوة عمليات تداول مشتقات مالية تنطوي على مخاطر مهّدت لانفجار الأزمة المالية! لقد قصد ليفن عمليات البورصة التي تتيح للوسيط تحقيق المكاسب في حال انخفاض أسعار الأسهم، والتي يمكن اللجوء إليها بهدف المضاربة، أو حماية الأسهم، عندما يملك المستثمر بنفسه الأسهم التي تتناولها العمليات. وتضرب لجنة التحقيق مثالاً فتقول أنّ مصرف 'غولدمان ساكس' تمكّن ذات مرّة أثناء انفجار الأزمة المالية، ما بين العامين 2007 و2009، من الحصول على حوالي خمسين مليون دولار بفضل التلاعب، وخفض أسعار أسهم مرتبطة بالرهن العقاري.
لقد كان مصرف 'غولدمان ساكس' يخدع المستثمرين ويقنعهم بتوظيف أموالهم في عملية شراء أسهم يعرف أنها غير آمنة، ويعرف أنّها سوف تتراجع، بل إنّه نفسه كان يراهن على انخفاض قيمتها بينما هو يقنعهم بشرائها! وهكذا فقد كان جماعة المصرف يؤجّجون نيران الأزمة المالية منذ اندلاعها عام 2007، ويحصلون من وراء تداعياتها الكارثية على مئات ملايين الدولارات! وفي معرض دفاعه ضدّ الاتهامات الموجهة إليه قال 'غولدمان ساكس' عبر إحدى نشراته أنّه 'لم يراهن على نحو واسع ومباشر ضدّ سوق العقارات الأمريكية أو ضدّ زبائنه'! من الواضح أنّ المصرف يعترف بفعلته، لكنه يقول أنه فعلها 'ليس مباشرة ولا على نطاق واسع'!
والحال أنّ العالم عموماً يعاني من سيادة نظام مالي ربوي، شايلوكي، مصّاص للدماء، مراكزه الرئيسية في نيويورك ولندن، وأذرعه الأخطبوطية تمتدّ عبر سويسرا وبلجيكا وآيسلندا ولكسمبورغ ومونتي كارلو وغيرها من الدويلات والمملكات والإمارات المفبركة، الربوية، المنتشرة في أوروبا. إنّه نظام بلغ ذروة صعوده وأقصى انطلاقه ابتداءً من العهد الريغاني/التاتشري، في ثمانينيات القرن الماضي، وحتى نهاية عهد الرئيس جورج بوش الابن، حيث لا اعتراض على عمليات الاحتيال مهما بلغت أحجامها وكانت نتائجها الكارثية الشاملة، شرط أن تكون محكمة يستحيل الإمساك بها، فكانت تلك قاعدة انطلاق الليبرالية الجديدة والمحافظين الجدد، التي أوصلت العالم إلى ما هو عليه اليوم من دمار شامل وشقاء مقيم.
إنّ الحكومات التي أصبحت عموماً خاضعة لأسواق المال،، والتي أصبحت وظيفتها الرئيسية توفير المناخات الملائمة لنجاح مغامرات أصحاب الأموال، تحاول المحافظة على 'الأمن والنظام' في العالم (بالمعنى البوليسي) من دون أن يؤثّر ذلك سلباً على المصالح المالية الربوية، وإنّ ما يفعله الرئيس أوباما لا يخرج عن هذا النطاق. غير أنّ المرابين لا يروقهم ذلك، وها هو محامي الاستثمارات المالية، المدعو روجين كوهين، يقول لصحيفة 'فاينانشل تايمز' البريطانية، أثناء احتدام الأزمة المالية، ما يلي: ' تبدو لي أيّة إجراءات حكومية أمريكية، لمساندة المصارف المريضة، كأنّما هي بداية تأميم جزئي، لأنّ كلّ دعم حكومي لا يتحقّق إلاّ عبر شراء حصة في المصرف وعبر زيادة دور الدولة فيه، وهذا يعني أنّ أسهم المصرف ستصبح أقلّ جاذبية للمستثمرين'! إنّ محامي الشيطان هذا، المدعو روجين كوهين، يريد من الحكومات دعم المصارف دون مقابل، ودون قيد أو شرط، وأن تبقى أبواب التلاعب والنصب والاحتيال مفتوحة على مصاريعها أمام المصارف 'المريضة' التي هي دعائم الحرية، والتي تستحق الشفقة والعناية! ولقد كان هذا بالضبط ما صرّح به ذات مرّة ألان غريسبان، الرئيس السابق لمجلس الاحتياط الفيدرالي الأمريكي (أي البنك المركزي الذي هو قطاع خاص) فقد قال غريسبان ما معناه أنّ على الحكومة العمل لتجاوز عمليات الاحتيال المخفقة، وذلك بتهدئة الأسواق على حساب المواطن العام، ومن ثمّ إعادة الأوضاع إلى أفضل مما كانت عليه لصالح عمليات احتيال أكثر إحكاماً وامتناعاً على الانكشاف.
كاتب سوري
ns_shamali@yahoo.com