وتستمر المأساة

2010-05-18 05:58:00

راية نيوز: لم يكن يوم السبت الماضي، الخامس عشر من أيار الذي يصادف الذكرى الثانية والعشرين للنكبة، مختلفاً عن الأيام الفلسطينية التي تصيغ المشهد الفلسطيني، الذي تتابع يومياته فصول الكارثة الاولى.
قبل أيام قليلة من حلول الذكرى، تناهت الى الأسماع اتفاقات بين الفصائل الفلسطينية للقيام بنشاطات مشتركة في هذه المناسبة، وترافقت مع همس من هنا ومن هناك عن اتصالات بين حركتي فتح وحماس تبحث في أفكار محددة من شأن التوافق عليها، أن تجتمع الاطراف في أيام قريبة في القاهرة للتوقيع على الوثيقة المصرية.
تلك الأخبار أشاعت لدى المهتمين السياسيين وهم نخبة محدودة شيئاً من التفاؤل بقرب انتهاء ظاهرة الانقسام الفلسطيني المدمر، خصوصاً أن هناك من سمع من الرئيس محمود عباس عبر بعض القنوات الفضائية، أن غزة ستعود الى أحضان الشرعية خلال شهرين.
قد يحصل أن تتوافق القوى السياسية على الذهاب الى القاهرة للتوقيع على الوثيقة المصرية، وقد يحصل ذلك قريباً، عبر وثيقة ملحقة تتضمن حلولاً او آليات او إجابات تعالج الملاحظات التي تتمسك بها حركة حماس ومنعتها حتى الآن من التوقيع على الوثيقة المصرية، ولكن دون أن يؤدي ذلك الى منتصر ومهزوم في المعادلة الفلسطينية.
لكنني أجد نفسي مضطراً للنزول عن شجرة الأوهام التي تعتبر ان توقيع الوثيقة المصرية، من شأنه ان ينهي الانقسام، وان يؤدي الى اعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية موحدة.
فخلال السنوات الثلاث السابقة من عمر الانقسام، لم تضع لحظة واحدة، إلا وتم استثمارها في بناء وبلورة نظامين سياسيين هنا في قطاع غزة، وهناك في الضفة الغربية، نظامان مختلفان لا تستطيع الوثيقة المصرية التي تجاوزتها الاحداث والوقائع، اعادة توحيدها في نظام واحد يتساوى فيه وأمامه الجميع.
في يوم النكبة، ذهبت للحضور والمشاركة في يوم دراسي طويل حول النكبة وتداعياتها، وحول آليات وسبل الحفاظ على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ارضهم. في قاعة مركز رشاد الشوا الثقافي الكبيرة تصدر المسرح صور الشهداء الكبار، ياسر عرفات وأحمد ياسين في الوسط، وعلى يمينهما جورج حبش، وعلى يسارهما فتحي الشقاقي، أما المسرح، فقد تم تزيينه بالعلم الفلسطيني، فيما اختفت تماماً أعلام الفصائل، بالاضافة الى أثواب ومطرزات تراثية فلسطينية جميلة، شكلت خلفية المنصة التي يجلس عليها المتحدثون.
قبل ان تبدأ الجلسة الاولى، كان لا بد من إلقاء كلمات افتتاح من قبل عدد من المسؤولين عن تنظيم اليوم الدراسي، والذي تم تنظيمه تحت لافتة اللجنة الوطنية العليا لإحياء الذكرى )62( للنكبة.
كنت أظن ان الفلسطينيين خصوصاً في هذا اليوم قد قرروا التسامي فوق جراحهم وانقساماتهم، وبرامجهم الخاصة، لكي يقدموا للعالم أجمع وبصوت واحد، رسالة واحدة موحدة، تؤكد تمسكهم جميعاً بحقهم في العودة، كحق فردي وجماعي مؤكد غير قابل للصرف.
فجأة انقلب المزاج، وجاءت الكلمات الافتتاحية او بعضها لتصفع المتفائلين، تضربهم في حائط التطرف، او تعيدهم الى الواقع الذي ينبض بكل معاني الانقسام.
تساءلت عن مدى صحة الأخبار الايجابية التي تتحدث عن قرب التوقيع على الوثيقة المصرية، ولكن التساؤل الأهم هو، مع من يريد هؤلاء ان يتصالحوا ولماذا، اذا كان الطرف الآخر، يستحق كل ما رمي به من صفات وخصائص لا اريد ان اذكرها، ولكنها تستعيد لغة التحريض الصعب الذي ساد اسوأ ايام الانقسام والصراع.
في الواقع، فإن مجريات الحدث اليومي لا تشير من قريب او بعيد الى امكانية تحقيق المصالحة، فما ان تختفي لغة التحريض والاتهامات وأخبار الاعتقالات، من على شاشات التلفزة، حتى تعود مرة اخرى، ذلك ان الرغبات لا تحل المشكلات، ولا تستطيع وسائل الإعلام تزيين واقع مر، اسود وأليم.
بات السؤال الحائر عن مدى قدرة وصلاحية الوثيقة المصرية، والاتفاق الهش على تغيير الواقع الفلسطيني، في غياب الثقة، وفي غياب ارادة الوحدة وحضور ارادة التكتكة، والسيطرة، والغاء الآخر حين تواتي الفرصة. اغلب الظن ان توقيع الوثيقة المصرية تشكل مكسباً معنوياً لمصر، ولا نرى ان ذلك أمر هامشي، وقد توفر وسائل الإعلام مادة جيدة، ومن نوع مختلف عما ساد في السنوات الثلاث الماضية، وقد يجد الخطباء ما يتزودون به من شعارات ومواد لا تصلح للتسويق. قد يصدق من هم خارج فلسطين الخطابات الرنانة حول الوحدة وانهاء الانقسام، لكن المواطن الفلسطيني الذي يعيش دقائق الاحداث، لن يصدق غير ما يرى وتلمس يداه.
ثمة خشية من أن يدفع الفلسطينيون ثمن اتفاق شكلي لا يغير واقع الحال، خصوصاً أن القوى الدولية والاقليمية المؤثرة في الوضع الفلسطيني لا تزال تمانع في استعادة الوحدة. قد يدفع الفلسطينيون الثمن دون ان يحصلوا على نتائج تستحق الثمن الذي يدفعونه من أجل وحدة شكلية تبقي الحال على حاله في غزة والضفة، مع نشوء أجسام فوقية لا تصلح سوى اطار لإدارة الازمة وليس لمعالجتها.
هذا يضعنا أمام مشكلة، فالموافقة على الوثيقة المصرية، والاحتفال بتحقيق مصالحة، دون وحدة حقيقية، هذا يعني استمرار واقع الانقسام وتفاعلاته وتداعياته التي تضاعف المخاطر على القضية والشعب الفلسطيني، والتغطية على ذلك دون نتائج حقيقية، وفي المقابل فإن رفض هذه الخطوة، من شأنها ايضاً ان تدفع الوضع الفلسطيني اكثر فأكثر نحو الهاوية.
في الأساس بإمكان القوى الفلسطينية المعنية، أن تتقدم بخطوات عملية وأن تتخذ اجراءات على الارض تعزز التفاؤل بإمكانية استعادة الوحدة، بوثيقة مصرية، او دونها، باتفاق او دون اتفاق ولكن لهم أن يفعلوا ما يشاؤون ولمن يملكون قرارنا من خارجنا أن يفعلوا ما لا يفيد احداً من الفلسطينيين.