ماذا في وسع أوردوغان؟
راية نيوز: بدت الغضبة التركية المحقة إزاء القرصنة الإسرائيلية الأخيرة في عيون عرب يرسفون تحت مشاعر ساحقة بالعجز والقهر والخذلان، وكأنها سحابة أمطرت بعد طول انحباس في أرض شققها العطش، أو قل وقفة رجولية في زمن عز فيه الرجال، وهو ما عبرت عنه بالفعل مظاهر رفع العلم التركي، والهتافات بحياة السيد أوردوغان، والشعارات المهللة بعودة العثمانيين الجدد.
في هذه الأثناء بدا الأتراك المسكونون بكبرياء قومي ومجد تاريخي تليد، يشبهون جيرانهم العرب في كثير من الوجوه، عاطفيين انفعاليين متعجلين، وفوق ذلك مستفزين محبطين كارهين حقاً لإسرائيل، تستبد بهم الخطابة، والرغبة الجامحة في استعادة الدور والمكانة وتحقيق الذات، بعد طول تجاهل واستصغار وتبعية وفقدان حضور فاعل منذ زمن احتضار رجل أوروبا المريض.
لذلك كله، فقد بدا بزوغ نجم أوردوغان وسط كل هذه المظاهر الدالة على واقع الضعف والخور والاستلاب، على الأقل لدى العرب، وكأنه خليفة جمال عبد الناصر القادر على تمثل أعمق ما في نبض هذه الشعوب من شوق إلى استعادة الكرامة، واسترجاع الحقوق وأخذ الزمام، وهو ما دفع ببعض الأوساط التي سبق لها أن عقدت اللواء لأحمدي نجاد إلى عقده على حفيد السلطان عبد الحميد.
غير أن السؤال الذي لم يطرح للنقاش الموضوعي بعد هو: ماذا في وسع السيد أوردوغان القيام به لملء الفراغ وتعديل كفة الميزان، ومن ثم الانتقال بالمعمعة القائمة من نطاق المواجهة الكلامية البارعة إلى حيّز الأفعال الملموسة القادرة، ليس على إصلاح ميزان الخلل الإستراتيجي في المنطقة مثلاً، وإنما فقط الإجابة على سؤال المواجهة المحدودة هذه، الجارية في إطار من التصعيد المحسوب سلفاً مع الدولة الممسكة بعصا غليظة في وجه الجميع؟
وهكذا ومع ارتفاع نبرة الخطاب التركي الغاضب غداة القرصنة الإسرائيلية في أعالي البحار، واتساع نطاق المطالبات الشعبية التركية بمعاقبة الدولة العبرية على جريمتها الوحشية ضد المتضامنين الأتراك، ارتفعت بالمقل سقوف التوقعات لدى القوى الإسلامية بتسعير حدة المجابهة ونقلها إلى مصاف فتح عثماني جديد، إلى حد شطحت فيه آمال هؤلاء بتسيير قافلة بحرية أخرى ترافقها بوارج عاصمة الخلافة، ومن ثم انخراط دولة محمد الفاتح بكامل عدتها وعديدها في المعركة الكبرى الموعودة مع 'أبناء القردة والخنازير'.
والحق أن أحداً لا يستخف بأهمية التطور الراهن في السياسة التركية، بما في ذلك إسرائيل نفسها التي تتحسب لكل العواقب المحتملة. ولا أحد أيضاً يقلل من الوزن الإقليمي التركي، أو لا يحمل على محمل الجد مدى جدية التحولات المتراكمة منذ نحو عقد مضى على صعيد الخيارات الداخلية والخارجية التركية. إلا أن ذلك كله لا يلغي حقيقة أن دولة النموذج الإسلامي المعتدل دولة راشدة، تزن مصالحها بعيدة المدى بدقة، وتدير أزماتها بواقعية وروح تصالحية، حتى لا نقول نفعية، ولا تخرج عن الطور أبداً.
إذ بالقياس مثلاً مع النموذج الإيراني المأزوم في الداخل والخارج، صاحب الأجندة المثيرة للتحفظ، المصمم على إضعاف العالم العربي لإحكام القبضة الفارسية على مفاصله الأساسية، يبدو النموذج التركي المتصالح مع محيطه مقبولاً ومرحباً به، ليس لأنه يعد بما يعد به أحمدي نجاد من محو إسرائيل عن الخارطة، وإنما لأنه يقدم وساطته بين دمشق وتل أبيب، ويدعم المطالب العربية بقيام دولة فلسطينية مستقلة في حدود عام 1967، ويتمسك بالشرعية الدولية، ولا يلعب لعبة التدخل في الشؤون الداخلية للغير.
بكلام آخر، ليس في وسع السيد أوردغان مع الأسف أن يقدم للمحتفين به أكثر مما يعرضه الآن من خدمات طيبة بالفعل، مؤهلة للبناء عليها، وصالحة للاستثمار في إطار المواجهة السياسية الدبلوماسية الحقوقية الإعلامية المفتوحة على اتساعها، ولكن ليس أكثر من ذلك. فقد تشهد العلاقات التركية الإسرائيلية تدهوراً إضافياً مسيطراً عليه، وقد تنظم الجمعيات الأهلية قافلة إغاثة أخرى، إلا أنها ستظل سلمية الطابع، طالما بقيت أنقرة راغبة في القيام بالدور الإيجابي الانفتاحي الذي انتدبت نفسها له.
Issa.alshuibi@alghad.jo