الاقتصاد الفلسطيني
راية نيوز: لا يمكن الحديث عن الشأن الاقتصادي في أي موقع على الكون بمعزل عن مسلمات قاطعة تنضوي في إطار البنى الاقتصادية لأي تجمع مع جملة مسلمات ترسم ملامح الاقتصاد وركائز البحوث والدراسة والبيانات الدورية الناشئة عنه. في طليعة هذه هامش الاستقلال السيادي حرية القرار وحرية العمل والتصرف، إن في بناء المشاريع التنموية والانتاجية أو في طرح البيانات الاقتصادية تباعاً إن في هامش التنمية والتطوير والنمو على قواعد انتاجية صلبة أو في أحوال ميزان المدفوعات، مدى رفد الاقتصاد للميزانية العامة، مدى سده لأبواب العجز فيها وصد أبواب التسول المال السياسي المشروط.
إلغاء الحاجة الى المديونية، مدى انعكاس الاقتصاد على الحالة المجتمعية على معدل مستوى دخل الفرد السنوي ومنسوب ارتفاعه، ارتفاع جدول الأجور والرواتب والدخول ومستويات الوفر، تدني مستويات الفقر والبطالة والمديونية العامة والخاصة، ثم توفير كافة الضمانات والتأمينات الاجتماعية والخدمات العامة وتنمية صناديق التقاعد وكل ذلك على المعايير العالمية المتعارف عليها.
ثم مدى رفد الاقتصاد للسياسة الوطنية وقرارها الحر في إطار قاعدة ذهبية جارية مفادها: أن السياسة والاقتصاد يشكلان معاً ضلعا معادلة ثابتة متلاحمة متساوية الأضلاع ومتداخلة، يكمل الواحد فيها الآخر ويسنده.
فالسياسة السيادية الراشدة هي التي تقيم البنى الاقتصادية على قواعد متينة صلبة ومنتجة على ركائز التخطيط والخبراء الأكفاء وعلى قاعدة القانون والشفافية والمحاسبة في وضع خطط التنمية المستدامة وفق الأصول الدولية المرعية، عندها يغدو الاقتصاد الرافع والرديف الأهم والأصلب للسياسة ذاتها في ادارة كل شؤونها وتعاملاتها الدولية.
فالأمن الاقتصادي لأي مجتمع لا يقل أهمية وخطورة عن الأمن السياسي بل كلاهما وحدة واحدة متكاملة متداخلة، بمعنى أن الاقتصاد صورة طبق الأصل عن الواقع السياسي سلبياً كان أم ايجابياً، لذا لا يعقل بناء الاقتصاد على قانون مائع انتقائي على هدر المال العام على قواعد من السلبيات والآفات المتجذرة تنمو وتترعرع في أصول المجتمع، ولا مجال للحديث عن الاقتصاد بمعزل عن السياسة وعزلها عنه اذ لا يمكن الفصل بين طرفي هذه المعادلة الملزمة لكل ذي مسؤولية على أعلى درجات المسؤولية والمصداقية والصراحة والشفافية في طرح البيانات الاقتصادية بتتابع.
وفلسطين ليس استثناء لكن فلسطين تعيش ظروفاً استثنائية بكل المعايير ترزح تحت احتلال تحت كل أنواع مكبلاته ومعوقاته ومعرقلاته يتخذ من خنق الاقتصاد الوطني وسيلة لابتزاز السياسة الوطنية بهدف تمرير أهداف سياسية تمس الحقوق الوطنية والوجود ذاته.
اذن ما هو حافزنا عند الحديث عن الاقتصاد الفلسطيني وهو على هذه الصورة، لا شك أن هناك حوافز، فنحن نفرد للاقتصاد صفحات واسعة في وسائل الاعلام، والاقتصاديون عندنا كثر ومهرة على طريقتهم الخاصة، فيتلقى القارئ بيانات اقتصادية بشكل دوري مدى صدقيتها مشكوك فيها وقاعدتها ركيكة للغاية والاقتصاد لا يعني بحال ثلة مستثمرين من افراز مرحلة معينة فالاقتصاد شيء آخر أوسع تماماً.
ثم هناك معلومات ملتبسة تتداولها المؤسسات المالية والاعلامية الاقليمية والدولية مفادها أن هناك ثورة اقتصادية في الضفة الغربية تعكس تنمية اقتصادية تمهيداً لإقامة الدولة السيادية تروج نسبة نمو الاقتصاد الفلسطيني بالغة 7%.
ونحن نؤكد انه لا يعقل بتاتاً أن نتحدث عن بيانات الاقتصاد على ذات القاعدة التي نتحدث فيها عن بيانات السياسة الجارية كما تعرفون، وفي هذا المضمار نريد أن نذكر تلك الأطراف الدولية والاقليمية ان فلسطين في ظرفها الحالي تتشكل من مجمل الأراضي المحتلة عام 67 في جناحيها القطاع والضفة، وأية دراسة للاقتصاد الفلسطيني لا بد أن تتناوله كوحدة واحدة سواء كوطن واحد أو دولة مفترضة واحدة فلا اقتصاد مستقلا هنا في الضفة وليس لكل جناح اقتصاد خاص ودليلنا على ذلك بنود ميزانية السلطة والتزاماتها المالية الواردة فيها تجاه الشعب في القطاع.
هذه الأطراف كافة تدرك حال الاقتصاد في القطاع تحت وطأة العقوبات الجماعية الإسرائيلية ذات الطابع المتطرف هذا التشدد الحاد الصارم قضى كلياً على بنية الاقتصاد في القطاع على الصناعات القائمة على حركة التجارة دمّر المشاريع القائمة وحركة الإنتاج لم يبق في القطاع من رمق للحياة إلا أنفاق التهريب والسوق السوداء وكلتاهما تثقل كاهل المواطن المعدم وكلتاهما أخطر الفواحش الفاتكة في أي اقتصاد متعافٍ.
هذه الأطراف تكون قد تجاوزت الموضوعية لأغراض سياسية محضة ولا حافز لها في انتقاد الاجراءات الاسرائيلية القاسية التي تستهدف الاقتصاد الفلسطيني في شطري الوطن، إن في الحصارات المحكمة في اغلاق المعابر باحكام في تقطيع أوصال الوطن وعدم اباحة حرية الحركة وفي تدمير سبل الحياة واشاعة الفقر والبطالة والتدهور المتواصل في مستويات المعيشة والاجهاز على الصناعات الوطنية القائمة.
ثم ننطلق الى حالة الاقتصاد الفلسطيني خلال العقدين الأخيرين:
على أن ننوه بأن الاقتصاد الفلسطيني طيلة فترة الاحتلال المباشر 1967 - 1995 لم تكن له أي صفة اعتبارية مرتبط بالاقتصاد الاسرائيلي ميزان مدفوعاته يصب مباشرة في سلة اقتصاد الدولة المحتلة. برغم ما ترعرع خلاله من مصنوعات وطنية كثيرة كانت تحتاج اسرائيل وجودها لحاجات السوق المحلي وحاجات الشركات الاسرائيلية الكبرى لأسواق جديدة فوق أن دولة الاحتلال ساهمت مباشرة وبدعم مباشر في اقامة صناعات تلبي حاجات السوق خاصة في قطاع الحجر والرخام ، ثم مرّت فترة تمنح فيها حوافز للتصدير من كافة المنتوجات وفي كل حال كان الانتاج الفلسطيني وحركة السوق تصب في أسواق وميزانية دولة الاحتلال مباشرة هي التي تضع ميزانيات المناطق دون حساب أو رقيب على بنود الصرف في كافة القطاعات.
1- إن الصفة العامة للاقتصاد الفلسطيني هي صفة الاقتصاد الخدماتي في المقام الأول، وفلسطين فقيرة في المصادر الأولية إن توفرت محجور عليها ، لا تملك انتاجية صلبة يجري تطويرها بالصناعات الثقيلة العمود الفقري لأي اقتصاد نامٍ ولا انتاج كافٍ في المستهلكات كافة لسد حاجات الاستيراد العشوائي المنفلت لا حماية للمنتوج الوطني التي اثرت عليه السياسة الاقتصادية الجارية في عدة صناعات وطنية ، هكذا اقتصاد لا يحلم أصلاً في الوصول الى نقطة الاكتفاء الذاتي بل من الغريب أن يقزم ما ملك من صناعات قائمة فيما الصناعة القائمة حالياً في أغلبها هي صناعات تعبوية في المقام الأول.
2- في ظل هكذا احتلال من يتحكم في السياسة وفي السياسة الاقتصادية وفي تدوير الاقتصاد الوطني أهو القرار الوطني أم الاحتلال بكل عنف اجراءاته، هل السياسة عندنا تتعامل مع كل التبعات الاقتصادية بمستحقاتها، أم ان المتحكم في أفواه الناس وفي مصادر رزقهم وفي مناحي حياتهم في طعامهم الفاسد أو الصالح هو الاحتلال على أمل التخلص من الكتلة البشرية الفلسطينية في هذه الأرض.
3- والمعنى هنا واضح تماماً نحن نبني ونقيم مشاريع نهلل للاستثمار وللمستثمرين وفتحنا لهم كل الأبواب المغلقة لكن ليس بوسعنا بناء مشروع واحد لا يوافق الاحتلال على اقامته. في مقابل ذلك لا احد لا بيانات تغوص في أصول الشرائح المجتمعية العريضة التي تكابد ضنك الحياة والفقر والبطالة.
4- هنا تخضع ادعاءاتنا التي وردت لمعادلة تستوجب سؤالاً مركزياً محدداً مفاده هل من مصلحة هذا الاحتلال إطلاق العنان للاقتصاد الفلسطيني حراً على طريق النمو والتطوير والرخاء بلا أي تدخل من سلطات الاحتلال بل فتح العنان أمام انطلاقه، ولو طرحنا هذا السؤال على استفتاء شعبي عام لأتى الجواب بالقطع لا.
فذلك سيؤدي الى رخاء حياة الفلسطينيين الى تسمرهم على أرضهم وتجذرهم فيها سيرفضون نوازع الهجرة والتفريغ ليتكاثروا على هذه الأرض متى رفع الاقتصاد النامي معدل دخل الفرد ومتى شاع الرخاء وعاش الفلسطينيون في بحبوحة، هل هذا هو المطلوب اسرائيلياً؟!
لا، لا سياسياً لا أيدولوجياً لا عرقياً ولا مع الأهداف الاسرائيلية الاقتلاعية من هنا اذن يصر الاحتلال على تدمير سبل الحياة وفرص المعيشة فالاحباط المتعمق لدفع الفلسطينيين الى الفرار الطوعي، ولذلك يبسط سيطرته على كافة المصادر على وسائل الطاقة التي تدير عجلة الاقتصاد على الحجر على النشاطات الاقتصادية والتجارية لا يسمح بأمر ما إلا مقابله ابتزاز مجحف فلا مصلحة مطلقة لاسرائيل أصلاً لنمو اقتصاد فلسطيني يتطور باستمرار.
وإن كان الكل منا يدرك هذه الحقائق فلماذا يغطي عليها ولمصلحة من وهو يدرك أن ترويج السلام الاقتصادي بديل السلام السياسي هو الهدف الأول من التظاهرات الاقتصادية التي يمررها الاحتلال.
٥- الاقتصاد الخدماتي اذن سيظل عرضة للتقلبات لا أحد يستطيع تجاهل ارتباطاته الوثيقة بعجلة الاقتصاد الاسرائيلي وبسلة أسعاره وفق اتفاقية باريس المكملة لمكبلات أوسلو على فارق رهيب في مستويات دخل الفرد، في اسرائيل وصل حاجز 27 ألف دولار يجري تطويره ليصل 50 ألف دولار عام 2025. ولا بيانات متعاقبة دقيقة توضح مستوى دخل الفرد الفلسطيني المتآكل أصلاً الذي لا يصل الى ألف دولار اذا استقطعنا منها المال الأسود والمال المبيض وأموال التحويلات والمساعدات والمانحات والمؤنجزات وما يُدفع للدراسات والندوات والورشات والمؤتمرات النظرية كلها لهبط الى مستوى هزيل للغاية. وفي ظل هذه المعادلة سيظل ميزان المدفوعات الوطني نازفاً لصالح الاقتصاد الاسرائيلي ومنتجاته.
٦- برغم كل هذه المعطيات السلبية انغمس اقتصادنا في مسارب السوق الحرة المفتوحة بلا ضوابط بلا محاذير دون أن يملك قاعدة اقتصادية حقيقية تؤهله لهذا الاندماج في إطار الترشيد وحماية المنتوج الوطني دون مراعاة لنزف الميزانيات المتواصل وسلبية ميزان المدفوعات بل العجز عن دفع الرواتب بانتظام. فغدت أسواقنا مستباحة للاستيراد العشوائي هابطة الجودة والمعايير بلا خطط ترشيدية فزالت عن الوجود صناعة الأحذية والنسيج هُزِم المنتوج الزراعي.
٧- الى هنا يغدو المواطن والسياسي ورجل الاقتصاد منا في حيرة وارباك عند التحدث عن الاقتصاد في أوضاعه هذه وهو فاقد للسياسة السيادية لحرية القرار والتصرف بلا قواعد انتاجية صلبة بلا تحرر من سطوة الاحتلال ومكبلاته ومعوقاته. اقتصاد خاضع للمد والجزر للتقلبات وللظروف السائدة على الأرض فيسير في اطارها بلا ترشيد للاستيراد لا يملك حافظة اقتصادية متكاملة تستند الى ثوابت صارمة من حماية الاستهلاك والمستهلك من مراقبة الأسعار من غياب المحاسبة ومنع أي جريمة اقتصادية بلا ترشيد للصرف فوق الأزمات والآفات الداخلية التي تنخر في جسد الاقتصاد، وفوق المعايير المختلة الناهبة للجيوب وفوق هبوط مستوى الخدمات المكلفة رسمية وأهلية.
هكذا مسلكيات عشوائية ستفرز حتماً رفع كلفة المعيشة تحت ظواهر الاحتكار والانتهاز والاستغلال لتحقيق الثراء الفاحش السريع حتى بغش المستهلكات التي نعجز للآن عن اجتثاثها، فوضى اقتصادية عارمة تحاكي الأسعار الاسرائيلية وأحياناً تبزّها اقتصاد تتلاعب فيه أوضاع سياسية غير صوابية تتلاعب فيه أية أزمة أية أحداث واضطرابات.
٨- كيف لهذا الاقتصاد أن يسير على طريق النمو ودورة الاقتصاد عندنا تعاني أولاً من عجز الفلسطينيين في ادارة مواردهم المالية ومرافقهم الاقتصادية ودورة الاقتصاد بمجملها تدور على استيعاب مئات الملايين من المال الأسود المدسوس على الاقتصاد ثم سكبها في قطاعات خدماتية وادارات وكوادر ومراتب متضخمة للغاية أو غير عاملة البتة.
٩- لا شك ان الأراضي المحتلة قد شهدت موجة من النهضة العمرانية، الأولى تحت الاحتلال المباشر نشأت عن وفرة عائدات العمل في السوق الاسرائيلية خاصة في قطاع البناء وما استلزمه من استحداث صناعات بدعم مباشر لسد السوق الاسرائيلي المتنامي في قطاع البناء ثم من المعاملات التجارية والوكالات التجارية وحرية التجارة هامش واسع لتبييض المال الأسود وزجه في الانشاءات العمرانية مع عدم وجود البنوك آنئذ اتجه الوفر الى حركة البناء.
أما الموجة الثانية فبعد تقلد السلطة لمهامها.
١٠- قد يعترض البعض على ما نقول مشيداً بنشاط السلطة الاقتصادي إن في المشاريع أو في عقد المؤتمرات الاستثمارية الدورية أو في نشاطات الحكومة في بناء مؤسسات الدولة المفترضة. كل ذلك لا ننكره لكننا نصر على ربط هذه النشاطات بالواقع السياسي المتآكل والمتغيرات الكئيبة على الأرض فوق أن كثيراً من المشاريع التي أشيدت في هذا البلد أتت على معايير مختلة، أما عن مؤتمرات الاستثمار فبامكان اسرائيل منعها إن أرادت أو السماح بها إن شاءت . واسرائيل معنية بظواهر النشاط الاقتصادي في الأراضي المحتلة كدعاية اعلامية تظهر الفلسطينيين وكأنهم يعيشون أوضاعاً طبيعية فهم مشغولون ببناء اقتصادهم.
واسرائيل لا تحارب رأس المال فهو أولاً جبان ولاؤه الحصري للمال نفسه المهم أن تظهر فلسطين كأنها تمارس حقها الطبيعي في بناء الاقتصاد وذلك في اطار تسويق السلام الاقتصادي كبديل السلام السياسي، واسرائيل بالقطع تكسب من أي مشروع استثماري يُقام هنا لأنها المورد الأساس لكل ما يحتاجه.
١١- إن افتراض نمو الاقتصاد الفلسطيني لا بد أن يعكس واقعاً ملموساً على حياة الفرد في المجتمع تجاه تحسن المعيشة ورفع معدل دخل الفرد السنوي تجاه الرخاء وتجاه رفد الميزانيات وتقليص العجز فيها تجاه رفع مستوى الأجور والرواتب والدخول... هل هذا ما يجري هنا ؟
الحلقة الثانية
هل تغيرت على ارض الواقع بيانات البطالة والفقر؟ هل استؤصلت ظاهرة تشغيل الأطفال القصر؟ هل تحسن مستوى العدالة الاجتماعية؟ ومعدل الراتب العام لم يزل يراوح 2500 شيكلا شهرياً . أين العدالة الاجتماعية اذن كيف يعيش أصحاب الخبرات والكفاءات وماذا أسقط الجشع والاحتكار على المجتمع من آفات ولماذا تتهرب الشركات التي تحقق أرباحاً مجزية للغاية من الضرائب فتسجل نفسها في بلد أجنبي لتتمتع بالإعفاء الضريبي.
١٢- إن ما تنشره بعض المؤسسات المالية الدولية وما تتشدق به الصحف الاسرائيلية من نمو الاقتصاد الفلسطيني بنسبة 7% جاء على استنتاجات وبني على قاعدة مغرضة لا تعكس الواقع القائم ولا تعكس الواقع السياسي والمجتمعي الدارجين فهي تعزو نمو الاقتصاد الى ارتفاع كلفة الحياة والمعيشة والى حالة الاستهلاك النشطة فتعتقد أن هذه الحقائق تعزز حالة اقتصاد نامٍ ونحن نرفض هذا الادعاء للأسباب التالية:
أ- ذلك خداع مغر يتجاهل حقائق الحياة الفلسطينية المشرعة على العالم بأسره وفي المجمل هي أقرب الى الصومالية منها الى السنغافورية. هذه الأطراف على دراية تامة بواقع الاقتصاد الفلسطيني وحقائقه الحقيقية وهي أدرى الناس بالعجز المالي التي تعاني منه الميزانية الفلسطينية العامة وأدرى الناس بواقع المكبلات والمعرقلات والمعوقات التي تطيح بالاقتصاد ومع ذلك تطرح هذه الأوهام، وهي على ادراك كيف تدار عجلة الحياة المحجور عليها أصلاً في فلسطين تقطيع الأوصال بالحصارات بالإغلاق بالتحكم في أنفاس الحياة وهي تدرك أن دورة الاقتصاد تعتمد في الدرجة الأول على أموال: المنح المساعدات التحويلات الخارجية جباية الضرائب والجمارك المستحقة لدى اسرائيل،
ب- بالقطع هناك أسباب دخيلة ماثلة دفعت الى رفع كلفة المعيشة في فلسطين لكنها قطعاً لا تعزى الى حالة نمو اقتصادي : 1- ثقافة السوق الحرة المفتوحة التي تشيع الاستهلاك والاستيراد العشوائي والتلاعب في الأسعار في غياب مراقبتها ولجمها.
2- انفلات هذه الأسعار في كافة المستلزمات على ثقافة الاستغلال والاحتكار والجشع لتحقيق الثراء الفاحش السريع من تداول المستلزمات الضرورية والملحة في المستهلكات وفي الخدمات العامة والخاصة والاستيراد العشوائي الهابط الجودة والصلاحية الذي امتهن نهب الجيوب على غير استحقاق وغير معايير. 3- محاكاة الأسعار الاسرائيلية والقفز فوق معدلاتها.
ج- نسبة النمو السكاني الذي يرفع منسوب الاستهلاك.
د- ارتفاع كلفة الفواتير الدورية تباعاً. هذا الارتفاع في كلفة المعيشة لم يعوضه ارتفاع في منسوب الدخول والأجور وذلك يعني أن الافتراضات المسوقة باطلة إلا اذا قصد منها تسويق السلام الاقتصادي تحت مظلة الاحتلال والحال غير ذلك مع توريد بعض الأمثلة:
1- لم يزل المواطن الفلسطيني يدفع ثمن لتر المحروقات 6.3 شيكل بينما سعر برميل النفط يتراوح بين 70 - 80 دولارا وهو نفس السعر الذي كان المواطن يدفعه وسعر البرميل 140 دولار أين تذهب فروقات الأسعار، هل تدخل الميزانية العامة بل بأي حق لا يستفيد المستهلك من هبوط سعر النفط وهو المعني الأول كمستهلك في تذبذبات سعر النفط وغيره، قس على ذلك أسعار اللحوم والمواد الاستهلاكية وكافة أسعار الخدمات على شتى أنواعها وتلك معضلة لسواد الشعب.
2- إن الميزة الأساس للاقتصاد الفلسطيني في هذه البرهة هي افراز شرائح القطط السمان التي تنميها الظروف غير الطبيعية والاستثنائية واغتنام الفرص المتاحة على استغلال منصب أو موقع والقاعدة الأساس للحكم على نشاط الاقتصاد المتعافي هي حالة الشرائح المجتمعية الواسعة الكادحة لا إفرازات المرحلة.
لمزيد من الايضاح نتعرض لبيانات دائرة الاحصاء التي صدرت في جريدة القدس 7/4/2010 على الصفحة 24 مع التجاوز عن الأرقام التي وردت فيها وقد رسمت للاقتصاد لعام 2010 ثلاثة احتمالات: الأول يستند الى فرضية استمرار الوضع الاقتصادي على حاله 2009 لسداد المتأخرات المتراكمة (مديونية السلطة للمجتمع)
2- افتراض استمرار تدفق أموال المانحات لتمويل ميزانية خطة التنمية 2008 - 2010 وعلى افتراض تدفق العائدات الجمركية من اسرائيل بمستوى عام 2009 ثم تحسين جباية الضرائب والقيمة المضافة مع توقع استمرار المعوقات الاسرائيلية وتوقع نسبة نمو لعام 2010 معادلة لعام 2009 وزيادة الدخل الوطني 3%.
الاحتمال الثاني هو المتفائل يراهن على تدفق المساعدات لاعادة اعمار القطاع وتدفق أموال الجمارك والقيمة المضافة بانتظام وتحسين جباية الضرائب وحصول زيادة في أموال التحويلات الخارجية وتدفق المشاريع الاستثمارية، لهؤلاء الأخوة نقول لا تتوفر أي مؤشرات دالة على هذا التفاؤل سيما وأن نصف العام كاد ينتهي والأسواق على كساد رهيب غير مسبوق. الاحتمال الثالث وهو المتشائم يفترض استمرار حصار القطاع أي تعطيل إعادة الاعمار (لماذا لم يفترضوا بقاء الانقسام متجذراً قائماً) اذا لا دولارات هنا. ثم تدهور الأوضاع السياسية وبالتالي الاقتصادية فرض الاغلاقات انخفاض التحويلات وانخفاض جباية الضرائب.
وفي هذا الاتجاه قال مسؤول البنك الدولي المقيم في رام الله في نشرة دورية للدول المانحة ما مفاده: أن تحقيق تقدم ملموس على العملية السلمية وازالة القيود تفرز التطلعات الأساسية لنمو الاقتصاد الفلسطيني في اطار العمل على 3 اتجاهات: 1- رفع الحصار عن القطاع لوقف التدهور المتواصل لمستويات المعيشة. 2- ازالة العوائق والمعرقلات . 3- رفع القيود عن حركة التجارة الداخلية والخارجية الى اسرائيل تحديداً. ثم يلخص تقريره المرفوع للدول المانحة بقوله أن تحريك الاقتصاد الفلسطيني يتطلب تنسيقاً مستمراً بين الجانب الفلسطيني واسرائيل والدول المانحة.
ما جاء في السياق يلخص النتائج التالية:
1- إن شقي المعادلة السياسة والاقتصادية في فلسطين معتل تماماً.
2- إن المقياس الوحيد لمسيرة الاقتصاد هو مدى انعكاسها الايجابي على القواعد الشعبية العريضة من رفع مستوى المعيشة فالأجور والدخول من تدني هوامش الفقر والبطالة وتسول المعونات.
3- إن الاقتصاد في أي بلد يحتاج الى قانون صارم يحميه الى مصداقية مطلقة الى شفافية ومحاسبة ، لن يستقيم مع الاحتكار مع زرع الآفات والانفلات في بواطنه وفي كل مراجعه من الجشع والاستغلال والاستيراد الهابط وآفات التهريب وفوضى الأسعار وافراز القطط السمان.
4- إن ما طرحته دائرة الاحصاء يصب في كل ما طرحه السياق فالاقتصاد لا يبنى على فرضيات وافتراضات بلا تحكم فيها بل على قواعد ملموسة قائمة على الأرض من انتاج وموارد ثابتة.
5- في الحال هذه وتقاطعاً مع دراسة دائرة الإحصاء يغدو المال الأساس الذي يدير عجلة الاقتصاد الفلسطيني هو أموال تمنح أو تجبى بأي طريقة ولا تنتج. على هذه القاعدة نتساءل كيف يروج ان الاقتصاد الفلسطيني يحقق نسبة نمو 8% ومن أين أتت، هذه الأموال السلبية.
6- من المؤسف أن تتجاهل الدراسة الاقتصادية المجاهرة في القضاء على الصناعات الوطنية بسبب مسيرة هكذا اقتصاد أو قضت عليها حروب وحصارات اسرائيل كونها تصب في الموارد الانتاجية لقنوات الاقتصاد. ومن المؤسف أننا نهلل ونزغرد للمشاريع الاقتصادية على بيانات قربها من الحقيقة محل شكوك مع التعامي عن هامش الفقر والبطالة المتصاعدين وتنامي هوامش طلب المساعدات المفصل في بيانات وزارة الشؤون الاجتماعية ومؤسسات المساعدات المحلية وهامش المديونية الشخصية في المجتمع.
7- الأخطر من ذلك صمّ الآذان من الجهات الاقتصادية أو المالية أو التجارية عن المسببات الحقيقية لارتفاع كلفة المعيشة مقابل ثبات الأجور وتآكل قدرتها الشرائية.
لماذا لا نشخص هذه الأسباب الحقيقية التي تشعل الأسعار بلا رقابة التي تستبيح المستهلك بلا رحمة في الاحتكار في التلاعب بالأسعار وانفلاتها في الاستغلال والغش في حجب المواد الاستهلاكية بغية رفع أسعارها كما يشاء الوكيل أو المسؤول والمواطن الفلسطيني مثقل للغاية من تقلبات الأسعار التي لم تعد تُحتمل في ظروفه المأساوية.