أوروبا تواجه خطر الزوال

2010-06-12 10:42:00


راية  نيوز: على ما يبدو أن توقعات الخبراء العالميين بالنسبة للأزمة المالية العالمية وتداعياتها كانت صحيحة وواقعية، على الرغم من أن الكثيرين لم يصدقوها حتى وقت قريب، خاصة توقعات العام الماضي التي كانت تقول إن الأزمة ستضرب في العامين المقبلين القارة الأوروبية، وأن اقتصاديات دول هذه القارة ستتداعى كقطع الدومينو الواحدة تلو الأخرى.

وتنبأ خبراء الاقتصاد والمال بأن يكون انهيار اقتصاديات أوروبا مؤشرا مهما، ليس فقط لانهيار الاتحاد الأوروبي، بل أيضا سيكون الضربة القاسمة للاقتصاد الأميركي الذي يعتمد على القارة الأوروبية بنسبة تصل إلى 45%.

الزعيم السوفييتي السابق ميخائيل غورباتشوف، في مقاله الذي نشر في صحيفة «روسيسكايا غازيتا» يرى أن أوروبا تواجه «خطر الزوال»، ويقول غورباتشوف إن أوروبا تواجه صعوبات موجعة ومؤلمة في تجاوز الأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي جعلت مستقبل الاتحاد الأوروبي في خطر الضياع.

لقد غض القائمون على الاتحاد الأوروبي، وهم في حالة زهو ونشوة بسبب توسع وتمدد الاتحاد، البصر عن مخاطر تحيق بعملة موحدة منتشرة في عدة دول متباينة ومتفاوتة المستويات الاقتصادية بشكل واضح، ولا تدعمها آليات الضبط والربط المناسبة.

كما أنهم تغافلوا عن جملة من المخاطر الأخرى التي تنذر بفقدان أوروبا لدورها الريادي في المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية، وهو الدور الذي اضطلعت به أوروبا على مدى ثلاثمئة سنة على أقل تقدير.

وهناك مؤشرات كثيرة على خطر زوال أوروبا من بينها التقدم السريع لبلدان «العالم الثالث» التي باتت منتجاتها تنافس منتجات البلدان الأوروبية بنجاح، الأمر الذي تسبب في انسحاب موارد مالية وإنتاجية كثيرة من أوروبا إلى الشرق، وظهرت في أوروبا، نتيجة ذلك، شريحة غفيرة من العاطلين عن العمل، وباتت معدلات البطالة تتضاعف في العام الواحد أكثر من مرة، وإذا لم يتم إيقاف هذا التطور فسوف تواجه أوروبا انفجارات اجتماعية وأزمات سياسية طاحنة.

فضلا عن ذلك هناك مشاكل جانبية مؤثرة، حيث تواجه البلدان الأوروبية تقدم سكانها في السن والنقص في عدد الأشخاص في سن العمل في حين أن استقدام المزيد من المهاجرين لمواجهة التراجع في عدد الأشخاص في سن العمل يمهد لضياع الهوية الأوروبية الذاتية.

وقد ارتكب الأوروبيون خطأ فادحا عندما أحجموا بعد انتهاء الحرب الباردة عن تكوين اتحاد كامل يجمع بلدانهم وروسيا التي تشعر أنها جزء لا يتجزأ من أوروبا الكبيرة، وكان الزعيم الفرنسي الراحل المارشال ديغول أول من حذر من هذا الخطأ.

حيث نبه ديغول الأوروبيين إلى أن توجههم للغرب عبر المحيط لأطلسي ليس هو الخيار الصحيح، وأنهم يجب أن يتوجهوا شرقا داخل قارتهم الأوروبية تجاه روسيا، وقال ديغول في خمسينات القرن الماضي «شئنا أم لم نشأ فإن روسيا جزء لا يتجزأ من أوروبا وهي الامتداد الصحيح والسليم للأوروبيين شرقاً وليس غرباً».

لقد خشي الأوروبيون النظام الشيوعي الذي لم يفرض عليهم فغرقوا في وحل الرأسمالية التي فرضت عليهم، وكان عليهم أن يختاروا الأفضل من النظامين ويتفادوا العيوب، لكنهم ذهبوا ليطبقوا الرأسمالية كما وضعتها لهم واشنطن حرفيا، فألغوا سلطة الدولة ورقابتها على الاقتصاد تماما.

وسلموا أمرهم وأموالهم للعملة الأميركية، وعندما استشعروا خطورة الأمر وبدأوا في التحول لعملتهم لموحدة كان الوقت قد فات وبدأت بوادر الأزمات، والآن تحررت روسيا تماما من النظام الشيوعي، واختارت بمحض إرادتها نظام اقتصاد السوق الملائم لها، ولم تختار النظام الغربي المستورد عبر الأطلسي، وأبقت روسيا على سلطة الدولة ورقابتها، وواجهت الأزمة المالية العالمية بثبات وتحكم في مؤسساتها المالية والإنتاجية.

الآن، ومع تفاقم الأزمة، أدرك الأوروبيون أنه يجب تصحيح الأخطاء وبسرعة، وأنه يجب التوجه شرقا، لاسيما وإن مسيرة التحديث الشامل التي تنطلق في روسيا، تهيئ فرصة غير مسبوقة لهذا التوجه، ولم يعد هناك تخوفات من التعاون والتقارب مع روسيا، بل على العكس أصبحت روسيا هي المتخوفة من التقارب مع الاقتصاديات الأوروبية المتداعية.

لكنها رغم هذا ترى لزاما عليها أن تساعد الأوروبيين في مواجهة أزماتهم معتبرة أن أمن روسيا واستقرارها مرتبطاً بشكل مباشر بأمن واستقرار أوروبا، وأن زوال أوروبا أو انهيارها كارثة لن تحتملها البشرية.