القضاء على الصهيونية يقود إلى اندثار الرجعيات العربية
راية نيوز: أعرف أحد الأشخاص، يظل يصرخ في وجه الجميع، حينما يحتد نقاش الإخوة حول طبيعة المسارات التي عاشها التاريخ العربي، وماذا كان سيحدث لو سارت الأمور على خلاف حتميتها؟ "أتمنى بكل جوارحي، ألا تستقل فلسطين وتبقى هكذا في صراع أبدي مع عصابات تل أبيب"، ثم تلتهب احتجاجات المجتمعين: "ماذا وقع لمخك، لقد أصبحت مريبا بهذه المواقف؟" وبغير مبالاة لإحساسهم، يضيف على لسان سارتر: "لم نكن قط أحرارا، إلا فترة الاحتلال الألماني".
تستحوذ علي هذه الرؤية في كل مرة تخرج الجماهير العربية إلى الشارع تنديدا بما يقع لفلسطين، لكن قبل ذلك، هي فرصها الموسمية كي تعيش نقاءها الإنساني لفترة من الفترات، وبعدها ستعود مرة أخرى إلى سابق روتينها المقفر والمكفهر. هكذا، ستترقب بتعطش، همجية وقع عليها التبئير وطفحت بغثة إعلاميا، كي تتقيأ شعوبنا حمولة صبرها السيزيفي، وما تراكم لديها من حقارة، فتتحول إلى صدأ وقيح، يقضمان حواس الواحد منا وحقه في ذاته والعالم، مثل ورم سرطاني خبيث. إنها تبكي، مصيرها بفلسطين، وتنسج مع فلسطين مظلة تقيها للحظة، رفس حذاء الحاكم العربي، الذي سيغض الطرف، على طريقة "دعهم يمرون، سنرى بعدها".
الرباط، فدمشق بل والرياض... على امتداد هذا القبر وبفضل مناسبة فلسطين، ستنبت حدائق هايدبارك Hyde Park ! وتتحول الذبابات العسكرية إلى قارورات ماء. عفوا، قلت مناسبة! نعم أحتفظ بذكريات حلوة عن سيدة في غاية الذكاء والمعرفة، قلما جادت المدرسة المغربية بمثيلاتها شكلا ومضمونا، جعلت باستمرار من حصة اللغة الفرنسية، منتدى نقاش سياسي.
يوم اغتيال القائد المحنك أبو جهاد، أواخر الثمانينات من قبل الموساد، ولا شك بتعاون استخباراتي عربي، أبدت علانية امتناعها عن إعطاء درسها المعتاد، واقترحت علينا عوض ذلك طرح أفكارنا حول القضية الفلسطينية، أو التباري في استظهار بعض قصائد محمود درويش وسميح القاسم؛ لكن، ما ترسخ لدي بقوة، تحذيرها لنا كي لا ننساق بأي وجه وراء المخطط الإسرائيلي وبتواطؤ مع الرجعيات العربية، والمتمثل في القتل البطيء للقضية، ولمَ لا تمييعها، إلى أن تفقد بريقها وإشعاعها فتصير مجرد ذكرى عابرة تتغنى بأناشيد ورقصات وكوفية، لكنها أجزمت مع كل شيء بأنه صراع قابل للحل، على العكس من تيئيس وتهويل المتخاذلين.
فإسرائيل، ولو مثلت كلب حراسة للإمبريالية العالمية في المنطقة، فإن العرب بدعمهم اللوجيستيكي لحركة التحرير الفلسطينية وإجبارهم الغرب على أن يتحدث معهم فقط لغة المصالح، سيرجحون لا محالة كفة الصراع لصالحهم. لكن الأمور أضاعت كليا مجراها الصحيح، بعد اندلاع حرب الخليج الثانية، بداية التسعينات، وعقد اتفاقية أوسلو ارتباطا أيضا بمعطيات إقليمية ودولية:
1 ـ القضاء على أبرز القيادات الميدانية والكوادر العسكرية الفلسطينية.
2ـ تفكيك أوصال منظمة التحرير الفلسطينية، لأسباب مؤسساتية مثل غياب الديمقراطية الداخلية وشخصنة السلطة في رمزية الزعيم ياسر عرفات، ووضع هذا الأخير لكل بيضه في سلة ما يسمى بالأنظمة العربية المعتدلة، التي أثبتت بكل المقاييس أنها مجرد أدوات لتفعيل الأجندة الأمريكية الإسرائيلية.
لقد تقوت مشروعيتها، واشتدت صلابة عودها، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وأفول دلالات الخطابات الراديكالية. الفساد الذي دب في جسد المنظمة، زاد من استفحاله الاختراق المخابراتي الخارجي سواء كان إسرائيليا أو غيره. أيضا، فاعلية حماس الميدانية، التي استثمرت أولا الأعمال والمشاريع الخيرية، ومع تجذرها في المجتمع الفلسطيني، أصبحت تطرح نفسها كبديل تاريخي عن حركة فتح وكل القوى الفلسطينية الأخرى، وهي مسألة مشروعة في التأويل السياسي، ما دام البقاء لمن يعمل.
ولا شك، أن التعارض المطلق بين المرجعية الإيديولوجية للمكون الإسلامي والنزوع العلماني لليسار الفلسطيني قوض المشروع النضالي، وأوصله إلى أقصى حدود التشتت والتشرذم.
هكذا، انتقل الطموح الفلسطيني من إلقاء إسرائيل في البحر وإقامة دولة تقدمية، ستشكل منطلقا لإعادة تنظيف كل المنطقة العربية من حلفاء الاستعمار، إلى مجرد التبشير بفرحة لقاء عابر جراء مبادرة من هذا الطرف أو ذاك. وضع ازداد تعقدا مع مرور الوقت، خاصة وانعدام عمق عربي أو على الأقل تصميم سياسي عربي قادر على خوض الصراع، ولا أتخيل بأي وجه من الأوجه، أن قطر/ قناة الجزيرة، بقادرة على تشكيل هذا القطب لأسباب مختلفة.
الرغبة اللاواعية، في أن يقاتل الفلسطينيون أبديا نيابة عن الجميع ثم عدم تحولهم إلى رجة مناسباتية، يفسرها أساسا إحساس الشعوب العربية بفظاعة واقعها المرير، مما يدفعها إلى الاستفسار عن جدوى استقلالات انتهت بهزيمتها وضياع كلي لمقومات الحياة لديها، لذا، فالسيناريو الوحيد المحتم لفلسطين مستقلة، يكمن أولا وأخيرا في تورط امتصاصها من طرف باقي القطيع العربي المحكوم بلغة ركل الدبر.
بالتالي، ستذهب سدى تضحيات الشهداء وكل التراث الثوري، لهذه المجموعة الإنسانية الاستثنائية. فماذا جنت باقي الشعوب العربية من أوطانها؟ طبعا لا شيء. بل أكثر من ذلك، احتاجت في كل الأزمنة إلى حركات سياسية تعيد تثبيت التشكلات في نصابها الطبيعي، وتمتين الروافد التي تصب في بوتقة الدولة الوطنية.
إن الفرق الأنطولوجي الجلي، بين الفلسطينيين والمحيط العربي، يكمن في أنهم حين استيقاظهم كل صبيحة، يدركون جيدا ماذا يريدون من العالم؟ يعيشون على حلم استرجاع الوطن وبنائه بالاستناد إلى القيم والمبادئ التي قاتلوا في سبيلها لعقود طويلة. الفلسطينيون، لا يواجهون فقط كيانا همجيا ماهيته الدم والنار، لكنهم بالأساس يحملون على عاتقهم مسؤولية أنطولوجية أعظم بكثير، تتمثل في اقتلاع الشر والعنف من أسسهما، وتستعيد معهم الإنسانية روحها الأصيلة التي هي عقل ومعرفة وجمال وحرية.
الفلسطينيون، نموذج باهر بهذا الخصوص، فقد انبثق من بذلة المقاتل وفوهة بندقيته شعراء وأدباء ومفكرون وفنانون وسياسيون، انحنى لهم العالم احتراما وتقديرا. فلسطين، ضميرنا المتوقد والفيصل الخالد بين الكائن وما يجب أن يكون. قدر، ورثة محمود درويش وقوفهم وحدهم بجلدهم في ساحة المعركة، لقد انشغفوا بالحرية وأرادوا لآدميتهم شموخها وكبرياءها.
صامدون، حتى آخر قطرة من دمهم، كي لا يستعبدهم الهولدينغ الإسرائيلي، مثلما يسيل لعاب باقي أحزمة البؤس العربي. حتما، بعد أن تنتشل عاصفة الحرية، تلك القطعة الجلدية التي سيلهث وراءها الجميع جنونا في بيت جدنا الأيقونة مانديلا، ستمسح عنها ديناصورات انهياراتنا العربية، غبار الجبن، ثم تستأسد ثانية كما هو حالنا، حيث "أسد عليّ وفي الحروب نعامة"، وستهيئ وليمة القرن، تفوق البذخ بذخا، احتفاء بصناديد ماكري سياسة الكيل بميكيالين، وقيامهم بعملية إنزال لاتفاقية سلام أبدية مع جنرلات إسرائيل، وفاء لذكرى الجرافة شارون الذي يأبى التراب عزة معانقة كتلة شحمه، واحتفاء بالفتى نتنياهو المزهو بمنكبيه العريضين، وهو يقدم لجثث الكراسي العربية، دروسا مجانية عن كيفيات السطو في واضحة النهار.
بالتأكيد، هم منشغلون فقط، وبعد ذلك فليأت الطوفان، بدسائس التوريث والتزود بغنائم الرعايا، فخير الزاد ما جاء على طبق من ذهب، تحسبا لمكائد الزمان أو عجز الأبناء لا قدر الله عن إتمام المسيرة الفانتستيكية لـ"أنا الدولة والدولة أنا" ومن رغب عن ذلك، فليشرب البحر.
إذن طالما الوطن العربي، ما زال قابعا بين جدران معتقلات الجور والاستبداد السياسيين، فإن فلسطين سترسم باستمرار حافزنا على الحياة. عند كل نسيان، تقض مضجع المنبطحين والمنهزمين، وتطهرنا من درن أنساقنا التافهة. حيث فلسطين، نتصالح مع ذواتنا ونتلمس أقصى أقاصي أحلامنا. خلال ماض، ليس بالبعيد، انطوت بيانات تقدميي العرب على قناعة راسخة ومبدئية، مفادها أن القضاء على الصهيونية، سيقود منطقيا إلى اندثار الرجعيات العربية بطريقة تشبه لعبة الورق أو الدومينو، ما دامت العلاقة بين الاثنين متداخلة.
هكذا، تفاعلت كل النضالات بصدق مع هذه الجدلية، وظلت ألوان العلم الفلسطيني ترشد الناس صوب التجمعات الحقوقية والسياسية والنقابية والطلابية والعمالية. فلسطين تمارين يومية، على أن نكون بشرا. هي، إذن لن تطمئن لجغرافيتها، قبل أن نكون جديرين بذواتنا.