مجسات تمس الأردن
راية نيوز: حراك شعبي سياسي محموم يجري في الأردن يشوبه القلق تخوفاً من مشروع الوطن البديل، معلومات تصدر عن صحيفة سعودية تفيد مصادرها أن القوات ألأردنية ستشكل 60% من قوات دولية أطلسية سترابط على الحدود الفاصلة بين إسرائيل ودولة فلسطين الموهومة الغامضة والملتبسة. أزمة في الأردن حول حق الإقامة للفلسطينيين مؤسسات شعبية وقادة رأي تصدر البيانات والتحذيرات من مخطط تتداوله سياسة الدهاليز يمس الأردن: ماذا يجري حول الأردن الشقيق؟!
متى هلّت تباشير هذه المخاوف؟ يعني أن في الجو أمراً خطيراً، ويعني أن القضية الفلسطينية باتت على شفا التصفية كما يعني أن الأردن هو الأقرب والأولى لاستيعاب تبعات التصفية كيف أتت حلولها الهزيلة.
إن الأردن بالطبع عصي على هذا الانزلاق من مفاهيم قومية بديهية تشكل حساسية عالية له. من هنا يأتي حرصنا على الأردن حاسماً قاطعاً كحرصنا على فلسطين وكحرصنا على كل بلد عربي مستهدف بالمخططات المعادية، بالإضافة ولأن الأردن يقع في صلب المخطط الإسرائيلي فهو يعتبر الأجدر لاستيعاب موجات التفريغ ليغدو فلسطين بديلة.
الآن كما كان دائما تثبت الأحداث والانعكاسات من رذاذ هذه القضية أنها لن تقتصر حصراً على فلسطين وشعبها بل يهب ساخناً على فضائها القومي، ومرة أخرى يحل التكرار علّه يهز الضمائر والعقول فنقول أن هذه القضية منذ البدء والى الأبد هي قضية قومية بجدارة وامتياز تستهدف الأمة على وسع فضائها، لكن ذلك ما يصر العرب على إغفاله، وهم الآن أمام موقف الامتحان الصعب وجها لوجه أمام التاريخ في الدفاع المستميت عن قطرين توأمين يشكلان معاً قلب الأمة النابض، كلاهما على شفا التصفية التي لن ينجو أي رأس عربي من رذاذها الكل سيؤكل يوم أكل الثور الأبيض. نصر على ذلك ونحن نخجل أن نتحسب أن بعض الأطراف العربية قد لا يهمها مصير الأردن وفلسطين، وقد ترى ضرورة اغلاق ملف هذه القضية بأي سيناريو تعتمده السياسة الدولية.
وفي البدء نذكر أننا أول من طالب (2002) بمرابطة قوات دولية ولتكن أطلسية على الحدود بين دولتين سياديتين فلسطين واسرائيل، لكن على طول شريط خط الهدنة لعام 1949 برغم أن هذا الخط لا يشكل فعلاً حدود فلسطين كواقع دولي قانوني فحدود هذه الدولة وفق الشرعية والقانون الدوليين يحددها قرار التقسيم 181/1947 على مساحة 44% من مساحة فلسطين التاريخية.
لكن السياسة الدولية ظلت عاملاً عدائياً تجاه هذا الحق الفلسطيني ومنذ ذلك التاريخ سارت الأمور بعيدة كلياً عن خيار الدولتين بمفهوم القرار وبمفهوم الشرعية والقانون الدولي لأن الحلول التي تتداولها السياسة الدولية بعيدة عن هذا الحق البديهي.
كما يجدر تذكير العرب أنهم مع الفلسطينيين والأردنيين يتعاملون في هذه البرهة مع مستهل القرن الثاني للمشروع الكولونيالي (1910 -2010 - 2110) يحمل طيه اجراءات ومتغيرات دراماتيكية كاسحة وجذرية تصب في المخططات المطروحة على أجندته، واسرائيل تمهد لذلك بارباك كافة الأطراف العربية، فهي تطرح على الفلسطينيين تارة عملية تبادل الأراضي بسكانها ساترة للتنظيف العرقي وتشريع ضم المستوطنات وتارة تطلق ومضات الوطن البديل في الأردن وتارة أخرى تراود مصر على تبادل 760 كيلو متراً مربعاً من سيناء مقابل اراض في النقب (جنوب شرق) لهيكلة فلسطين بديلة. دون أن يعني ذلك ارباك الفكر الاسرائيلي أو ارتباكه. بل هي البالونات السياسية التي لا تصدر من فراغ وبقي على العرب أن يحذروا ليعتبروا.
وهنا حقيقة تقول إن الأردن في العرف الدولي والقانوني هي الدولة التي خسرت أراضي الضفة الغربية في حرب 1967 ولذلك اعتبرت صاحبة الولاية والمرجعية الدولية لهذه المشكلة. ومن هنا جاء القراران 242 و 338 حصراً محصوراً بين اسرائيل من جهة وبين كل من الأردن (الضفة الغربية) سوريا (الجولان) مصر (القطاع وسيناء) من جهة أخرى. هذه الدول سبق لها أن أمهرت توقيعها على اتفاقات الهدنة 1949 ثم هزمت في حرب 1967 ولذلك ظلت الأمور على حالها وظل جمال عبد الناصر يستحث الملك الراحل الحسين بن طلال كي لا يألو جهداً ولا سعياً ولا وسيلة لاسترداد أراضي الضفة المحتلة حتى ولو بجهد انفرادي. لكن اسرائيل لم تكن لها نوايا ولا امتثال بهذين القرارين فوق انها لا تعتبر نفسها دولة محتلة بل محررة لأرض الميعاد من الأغيار.
الى أن دخلت منظمة التحرير على الخط 1974 وحتى أجبرت على الاعتراف والموافقة على القرارين 242 و 338 حتى تتأهل لخوض اتفاقات أوسلو. وفي رأينا أن الاعتراف الفلسطيني بالقرارين وبعد 20 عاماً لا جدوى منه ولا مردود كما دلت مجريات الأحداث ، عملياً لم تكن اسرائيل في وارد الانصياع للقرارين الدوليين ولم تكن في حاجة فعلية لاعتراف المنظمة بهما بقدر ما كانت تهدف ابتزازاً تكتيكياً للمنظمة يمنحها الذريعة في انهاء مسؤولية الأردن عن هذه الأراضي، على هدف جر المنظمة للاستفراد بها، وعلى هدف آخر يحللها من تبعات ولاية الأردن على أراضي الضفة الغربية المحتلة فإسقاط هذه الولاية والمرجعية عنها يمنحها العذر في دفع مشروع الوطن البديل الذي لا يعقل أن تطرحه على دولة موقعة على القرارين مطالبة باسترداد ما فقدته من أراض سقطت تحت الاحتلال.
على خلفية تطورين هامين تبنى النظام العربي توجهاً مغايراً تجاه م.ت.ف لا يفصح بالضرورة عن نوايا قومية جدية ومخلصة.
التطور الأول: حرب أيلول 1970 النقطة السوداء التي علقت على التاريخ الناصع بين الشعبين التوأمين على ضفتي النهر تلام في دلالاتها ومسبباتها منظمة التحرير وأطرها وكوادرها على ممارسات شائنة على الساحة الأردنية، على غطرسة اشتعلت بعد معركة الكرامة آذار 1968 فيما المنظمة تدرك دور القوات الأردنية المسلحة في هذه المعركة وقد شكلت حزام نار قوي حول الفدائيين الفلسطينيين حتى أحرز الطرفان النتائج العسكرية الباهرة. ونحن نسجل هنا بالمعرفة الأكيدة متى كان ضباط الجيش الأردني الموفدين لدورات الأركان والتدريب والتأهيل في الأكاديميات العسكرية الدولية ينبشون الأرض والمكتبات للحصول على كل مرجع خاص بالحرب الشعبية فيحملونها الى الكفاح المسلح الفلسطيني. برغم ذلك أسيء التعامل مع ضباط الجيش وأسيئت حرمة الضيافة فوقعت المأساة التي ستظل واخزاً لضمير الطرفين الأردن وفلسطين بسواء ، ومن جانب آخر دفعت قوى عربية نافذة آنذاك الى تحجيم منظمة التحرير وكسر شوكتها عقاباً لها على رفضها لمشروع وليم روجرز وزير الخارجية الأمريكي الذي قبلته دول الطوق كافة. وفوق كل ذلك وجدت هذه الممارسات أطرافاً معادية تستثمرها وتذكي شرارتها على ظهر الطرفين الشقيقين حتى وقع المحذور.
أما التطور الآخر وعلى مردود التطور الأول متى جنحت المنظمة صوب الحلول السلمية التسووية منذ 1970 تعقد الاجتماعات والمشاورات والمحادثات مع القوى اليسارية الدولية والإسرائيلية وبالقطع لم تقتصر هذه الجولات الدورية على المداولات وتبادل الآراء وسبر أغوار سلام مفترض يأتي بتسوية سياسية، بل لم تخلو هذه اللقاءات من مهمة خفية أخرى اضطلع بها تشكيلة أفراد من هذه الوفود مهمتها استقصائية استخبارية، دراسة نفسية وتحليلية لسبر أغوار ما يدور في خلد المنظمة بماذا تفكر وكيفية رصد ما يدور في خلد قادتها وتياراتها، مفهومها الاستراتيجي للمقاومة مدى الخطورة ومنسوب المصداقية في كل ما تطرح بهدف استخلاص تقييم أقرب ما يكون الى الواقع عن ماهية هذا العدو المباشر غير المنتظر في وجه اسرائيل، وفي وجه شرعية إقامتها.
وعلى ما يبدو ولإظهار حسن النوايا بدأت المنظمة تطرح انها على استعداد لاقامة سلطة وطنية على أية بقعة من أرض فلسطين يتم تحريرها سلباً أم حرباً، وبالمناسبة هذا ما تحقق لها من أوسلو لكن بلا تحرير.
المهم ان الاستنتاجات الآتية من هذه اللقاءات تبلورت حول: 1- أن النظام العربي نفسه يضيق ذرعاً بوجود المنظمة فهو يخشى حركات شعبية مسلحة وثورية تترعرع في أوصال المنطقة فتتسلل مفاهيمها وشعاراتها الى قواعده الشعبية. 2- لدى النظام خوف كبير وريبة وشكوك وحذر حول نية المنظمة توريط الأنظمة العربية في حروب مواجهة مستمرة مع اسرائيل والنظام لا يرغبها ولا قدرة له عليها. 3- هناك قدرة كامنة ممتازة لدى النظام على التلاعب على متناقضات المنظمة وأطرها قادر على الاستقطاب والتجاذبات لشق صفوفها وفق الأيدولوجية والأجندات والمحاور والتحالفات والتمويل والتسليح. 4- إن أخطر ما تعاني منه المنظمة انها لا تستطيع شق عصا الطاعة على النظام العربي فهي بالأصل تفتقد الى أرض صلبة في أي بلد عربي لتتحرك عليها بيسر وبأمان لمواصلة مهمة نضالها وفق شعارات التحرير أو على الأقل استرداد ما سقط من أراضٍ تحت الاحتلال 1967.
5- إن النظام وبأي وسيلة قاسية سيمنع المنظمة من توريطه مع اسرائيل.
على هذه الاستنتاجات بات واضحا لهذه الأطراف امكانية افراغ المنظمة من خطورتها التي تبدو مجسمة فالأرضية والنظم يشكلان لها عاملان مساعدان في أي توجه دولي، وهذا ما فتح على المنظمة كوّة دولية رهيبة استخلصت ما يلي: 1- ضرورة إغراق المنظمة بالمال حتى تغدو ثورة برجوازية غارقة في المال في مفاسده في المنافع والصراعات عليه يغرقها في المظاهر الأمر الذي يحول نضالها الى ارتزاق ومكاسب ومنافع فيقل خطرها وتذوي جدوى نضالها وذلك أقل خطراً من نضال أيدولوجي متطرف مصر خلف أهدافه. 2- الهدف من هذا الاستنتاج دحرجة المنظمة للاستفراد بها بدءاً من العمل على تشويش نضالها وسمعتها في الساحة الشعبية . 3- ساتراً لهذه الأهداف يتم إشباع رغباتها التظاهرية فذلك لن يتناقض مع معطيات الهدف المبيت، سيما وأن حدود صلابة المنظمة باتت مكشوفة لدى كافة الأطراف الدولية.
قبل أن نسترسل نؤكد هنا أن قصد الحديث لا يتناول المنظمة إياها بالنقد ولا بالتجريح كما لا نتلمس النفاق في الدفاع عنها بقدر ما نهدف الى كشف حقائق كثيرة سقطت المنظمة في أفخاخها حقائق غائبة عن الجميع يجب ان يكشفها التاريخ حتى لا تظل الأجيال المتعاقبة مضللة ومخدوعة، سيما وأن المنظمة اقتيدت قسراً طيلة مدة وجودها لأحكام ومتطلبات هذه التفاهمات الدولية الخفية، لا ظهر قومي يسندها ويعفيها من هذه المطبات إن لم يدفع بها اليها، مهما كانت المنظمة تدري أم لا تدري ما يدور حولها في الخفاء، فالميديا التي ترعرعت فيها شكلت أهم أسباب اخفاقاتها وفشلها وتصارعها وحروبها الداخلية والحروب عليها.
نقول ذلك رغم أن الشعب الفلسطيني رفع المنظمة على الرؤوس واحتواها في القلوب رمزاً للتحرير شهداء يسقطون في الدفاع عن م.ت.ف نهزج لها باللسان وبالرصاص وأحد من الشعب لم يفكر أو لم يجرؤ على شق عصا الطاعة على المنظمة، على هذه المعطيات ولهيب المشاعر حول المنظمة ووجودها ومعاركها لاح في الأفق العربي توجه آخر على نوايا غامضة متى أقرت قمة الرباط هكذا فجأة في عام 1974 خلع صفة الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني على منظمة التحرير.
ولم يزل التاريخ يطرح مجموعة تساؤلات جدية وخطيرة على الأجيال الفلسطينية والقومية المتعاقبة، لسبر أغوار الخلفية التي صدر عنها هذا القرار الاستراتيجي الخطر بلا معزل عن حيثيات التحضير السابقة، فما هي الأهداف الكامنة خلف صدور هذا القرار.
1- ما القصد الأساس العملي والفعلي وعلى أية نوايا حقيقية خلع النظام هذه الصفة على المنظمة ولماذا تلهفّت على قبولها منظمة التحرير بلا تبصر ولا تمحيص ولا دراسة معمقة؟ أ- وهو تكليف يأتي من نظام تخلى من اللحظة الأولى عن مسؤولياته القومية تجاه فلسطين وشعبها وحمايتهما من السقوط في براثن المشروع الكولونيالي وهذا لم يكن خافياً على المنظمة وأطرها ولم يكن خافياً عليها أن النظام يمقت الحركات الثورية المسلحة يصنفها في خانة الأعداء يسعى لالغاء تردداتها على ساحاته نظام دأب على التخاذل والتواطؤ على فلسطين وشعبها وأحزابها وقواها التحررية منذ بدء البدء والى الغد. ب- هل كان النظام معجباً لدرجة الهوس بالمنظمة مكبراً لنضالها فأراد اكرامها وتعظيمها واحتضانها على فرية تحرير فلسطين؟ أم كان النظام يخشى هذه المنظمة من سعيها لتوريطه في الحروب فسعى الى توريط المنظمة سلفاً بمطبات الكمائن وجرها الى متاهات والى الفشل بغية الاستفراد بها . ج- إن كثافة الشحنة العاطفية في أوصال الفلسطينيين وغزارة المال المسكوب وسوء الأحوال المسكوت عنها حجبت عن المنظمة وأفراد الشعب مطبات الخداع، ومن يدقق في تفاصيل تاريخ م.ت.ف لا يغيب عنه هذا الخداع ومدى تعثر المنظمة ومسببات ذلك حتى وصلت الى دهاليز أوسلو بل لماذا سعت المنظمة الى هذا الاتفاق على أية أرضية وعلى أي حصاد، أليس من افلاس رهانها على النظم العربية وسياسة التواطؤات، وعلى من يعترض على ما نقول عليه أن يدقق في تفاصيل تاريخ م.ت.ف بتجرد برد مسببات كل ممارساتها الى أصولها الحقيقية الى الأسباب الكامنة الى مكائد الحروب والانشقاقات والاستقطابات التي تعرضت لها المنظمة، هذا بمجمله كان كفيلاً بطرح التساؤلات الجدية.
إن استقصاء الاحتمالات والافتراضات والتحليلات لهذا القرار في حينه أتت متداخلة غامضة توريطية. صحيح أن المنظمة تألقت آنذاك فانهالت عليها الاعترافات الدولية كمرجعية عليا للفلسطينيين لقضيتهم ولحقوقهم رئيسها زار الأمم المتحدة حاملاً غصن الزيتون، الشباب يستشهدون من أجل م.ت.ف فاعتقدنا أن طريق التحرير باتت مفتوحة ومؤكدة، والوضع لم يكن كذلك فالظرف الذي تألقت فيه المنظمة حكم بأمرين فالعالم منقسم الى محورين خلف قطبين أعظمين وكتلة دول عدم الانحياز صبت في اتجاه المنظمة أما الأمر الآخر هي خلفية ما يحاك للمنظمة وللقضية الفلسطينية.
لم يمض عام إلا والمنظمة متورطة في الحرب الأهلية اللبنانية 1975 - 1982 جرى خلالها اجتياح 1978 ثم اجتياح 1982 مع حصار بيروت لمدة 82 يوماً والنظام نفسه الذي قلد المنظمة مهمتها يتفرج بل يستحث الحسم حتى تمّ ترحيل المنظمة عن لبنان ثم مجازر صبرا وشاتيلا ومتى جلت المنظمة الى تونس دخلت طور الانكماش وحجب الأموال واضعافها اعداداً لما سيأتي بعده وأنتم تعرفونه بالتفصيل. ما قيمة هذا القرار اذن والنظام يخذل المنظمة والفلسطينيين في أول اختبار جدي خطير لم يمض عام على اصدار القمة لهذا القرار حتى دخلت جيوش عربية لتحارب المنظمة حتى أشعلت فيما بينها حرب المخيمات فالجلاء عن لبنان كلياً.
الحلقة الثانية:
هذه الاستقصاءات لم تسفر منذ البدء عن نوايا صادقة بني القرار عليها ولم تتوفر هناك نوايا ولا إصرار على تشريف المنظمة وتعظيمها والاعتراف بدورها في قيادة النضال الفلسطيني على طريق التحرير كما لم تثبت ألأحداث أن ما كمن خلف القرار هو توجه قومي جدي باحتضان المنظمة واحتضان تحرير فلسطين واسترداد حقوق شعبها كما لم تقطع الأحداث بتغيير الاستراتيجية الفكرية والسياسية العربية تجاه القضية واعادة احتضانها قومياً ولم تنف الأحداث خشية النظام من منظمة ثورية قد تجره الى حروب لا يريدها ولا نية له في الاعداد لها ولا نية له في ضرورات حماية الأمن القومي الاستراتيجي بل قصد القرار نأي العرب بأنفسهم عن تبعات القضية وتعقيداتها ومستلزماتها بقرار احالة هذا العبء الثقيل للغاية على منظمة التحرير وهو يدرك تماماً أن المنظمة ليس بامكانها ولا باستطاعتها تشكيل رادع مواز خاصة على ممارساتها الجارية وكونها مستهدفة عربياً قبل الآخرين.
من أين اذن وكيف تصل المنظمة الى تحقيق هذا الرادع مع قوة اسرائيل المتطورة النامية ومع الزخم الدولي المنحاز لها فيما المنظمة في الميدان منفردة غير معفية من تدخلات الأنظمة وتجاذباتها واستقطابات أطرها واللعب على خلافاتها وانشقاقاتها وحروبها الداخلية.
2- هل كانت القمة تقصد كف يد الأردن عن مسؤولية الأراضي التي خسرتها في حرب 1967 في ظرف لم يكن معه بصيص أمل لأي تماس تفاوضي بين اسرائيل والمنظمة فوق أن هذا التماس إن أتى فسيأتي على قاعدة موازين مختلة للغاية وموازين عربية هزيلة مبعثرة متناقضة تخلت عن المهمة القومية.
3- مع المدى الزمني فسرت هذه الاستقصاءات نفسها ، لا ظل الأردن صاحب الولاية والمرجعية عن الضفة أمام الشرعية والقانون الدوليين ولا يعقل لأية مفاوضات قد تجري بهذا الخصوص بين الدولتين ما دام الأردن فقد مرجعيته عليها، ذلك ما دفع اسرائيل الى التحول الى طرح مشروع الوطن البديل.
بمعنى أن تجريد الأردن من هذه المسؤولية جاء خطأً استراتيجياً غير موفقاً من ناحية النتائج والانعكاسات حتى وإن لبى في حينه مطامح المنظمة، لكن ما بين السطور وعلى المسرح الدولي تبين أن دحر الأردن عن المسؤولية التي تتوجت بقرار فك ارتباط 1988 قد خدم اسرائيل كلياً وتلقائياً وفي عدة خيارات: أ- حسب المسار لاحت فرصة الاستفراد بمنظمة التحرير العزلاء. ب- فرص التفرد في عقد اتفاقيات السلم والصلح مع اسرائيل ويهمنا هنا اتفاقية العرابا مع الأردن 1994 وبسهولة واضحة ما دام الأردن قد أجبر بالنتيجة على عقد هذه المعاهدة وقسرها على حدود الضفة الشرقية. ج- منح اسرائيل امتلاك حرية القرار والطرح في اعادة مشروع الوطن البديل ووضعها على أجندة القرن الثاني فلا موانع أمامها تجاه الأردن من مسؤولية عن أراضي محتلة، ما أتاح لها اطلاق البالونات السياسية حول الوطن البديل والتوسع في وسائل التفريغ.
فهل كانت القمة العربية حينها تتحسب من خطورة هذه الخطوة وتطوراتها أم كعادتها تعاملت معها بسياسة قصر النظر أو عن غير جهل بالآخر.
4- بلا شك أن القرار عنى نفض اليد العربية والمسؤولية القومية عن القضية ثم رفع الغطاء عن القضية على اصرار في تجاهل تعقيداتها وتبعاتها وعلى خلفية العجز المتأصل ودرء سعي المنظمة من توريط هذه الدول في حروب متواصلة مع اسرائيل فوق الرضوخ للضغوط وللاملاءات والأجندات الدولية في كل ما يضر بفلسطين أو يتواطأ عليها ، فهو نظام لا يكره أكثر من قوة ثورية مسلحة تنمو في أوساطه فيتردد رذاذها في أصول مجتمعاته.
5- لكن الأمر المذهل هو ابتلاع الفلسطينيين أنفسهم لأمجاد العسل المر دون تساؤل ودون تفكير ملي المهم أن أحداً لم يتساءل في خضم أحداث جسام أن هذه القمة أصلاً لا تملك الصلاحية ولا الولاية ولا الشرعية لتنصيب المنظمة وتوريطها في مسؤولية عجزت عنها دول النظام بأجمعه كما أن ميثاق جامعة الدول العربية لا ينص ولا سابق فيه وردت في مثل هذا الاتجاه لم يحدث أن قررت القمة على طول تاريخها تنصيب رئيس أو ملك أو أمير يحكم في أي من قطرياتها التي تشكلت بمبضع بريطاني فرنسي. فما هو الحافز الحقيقي اذن من قرار تنصيب المنظمة ممثلاً شرعياً وحيداً غدت تفاخر به وتتستر في ظله في كل أحوالها العادية أو المتراجعة وكيف يبتلع الفلسطينيون مثل هذا التكليف من نظام عربي فشل وتخلى عن القضية الفلسطينية عن شعب فلسطين منذ هلّت تباشير إقامة الكيان الكولونيالي على أرضها بشتى القوى العسكرية ومؤامراتها.
6- إن كان تبرير هؤلاء الادعاء في تخليق شخصية فلسطينية اعتبارية مستقلة حرة القرار تتبوأ فيه المنظمة مسؤولية الشعب الفلسطيني مسؤولية حصرية وقيادة عليا فذلك حسن إن تقلدت المنظمة صفاتها هذه تحت المظلة القومية الجدية الفاعلة العاملة على حماية الأمن القومي الاستراتيجي وضرورة بناء روادعه وموازينه الرادعة لكن السياسة العربية الرسمية منذئذ أوغلت في التنصل من تبعات القضية لم تكن تجرؤ على ولوج الخيار القومي فوق أن.
7- هذا الادعاء قد سقط منذ 1948 وتالياً 1967 وما بينهما حين أجمع الحكام على طمس الشخصية الفلسطينية ووأدها وملاحقتها بالسجون بالطرد بملاحقة الطلاب والأحزاب والحركات السرية والطرد الجماعي وطلاب الجامعات أو روابط الطلاب الفلسطينيين وتالياً أعضاء الاتحاد العام للطلاب، وكل المؤسسات وفي وأد حرية الرأي وحرية النشاط، بل إن بلاداً عربية كان محظور دخول الفلسطينيين اليها، وهكذا كانت ألأمور تفند هذا الادعاء كما أن توريط المنظمة لم يفرز صحة الطرح ولا شخصية حرة القرار ولا كف النظام يده عن التدخل في الشأن الفلسطيني ولا أعتق المنظمة من التدخلات وهو أيضاً ما ينفي تماماً هذا الادعاء بل ظلت النظم مصرة على الاستقطاب وعلى التجاذبات مع مكونات المنظمة تشكل المحاور والتحالفات المختلفة على خلفية الفكر السياسي التحالفات المرحلية التمويل والتسليح الأجندات والمحاور الدولية بثت في داخلها الصراعات والانشقاقات والحروب الداخلية بين أطر المنظمة وقتال المنظمة بالسلاح حتى غدت هذه المنظمة صورة مصغرة عن تكوين الجامعة العربية بقطرياتها فوق الدسائس والمكائد والتربص بمعنى أن المنظمة لم تتمتع في أية فرصة باستقلالية الشخصية واستقلال القرار الحر.
8- على هذه الخلفية نطرح السؤال نفسه : صفة تُخلع على المنظمة ممن لا ولاية لهم ولا حق ولا صلاحية ولا أي مسوغ قانوني ومن أطلق على المنظمة هذه الصفة عزلوا أنفسهم بقرارهم عن شؤون فلسطين فوق كون هذه الصفة مختلة تمثيلياً من الأساس قياساً على التعداد الفلسطيني حينئذ ثم التكاثر وقياساً على المتغيرات وبروز قوى جديدة ذات وزن تعمل على الساحة ولم تنل شرف عضوية م.ت.ف للآن.
هل يعني ذلك أن قصد النظام اقتصر على توريط المنظمة في هذه المهمة لكن على نمطه الجاري من التفرد والشمولية على شاكلته حتى يضمن ادامة هذا النمط ودرء أمواج التغيير حتى لو ذهب شعب فلسطين الى الجحيم.
9- ألا يعني ذلك أن هذه الصفة والمهمة منافيتان للواقع حتى في عز تألق المنظمة فكم بالحري الآن ولم يبق منها إلا الاسم والخيمة التي تنصب وترفع لغايات افتراضية، بمعنى أن الأمور مختلة تماماً منذ قرار 1974 سواءً فشلت المنظمة أو أُفشلت، في النهاية أقتيدت الى الضغوط والاملاءات والتهديدات والمراهنات حتى سقطت سلطتها الوليدة تحت أصفاد المكبلات.
10- اذا كانت دول القمة آنذاك تقر بقومية القضية وخطورتها ودور كل منها في اطار دورها على المستوى القومي فمعنى ذلك أن الدفاع عن فلسطين وشعبها يشكل الخط الأول القاني في الدفاع عن حياض الأمة القومية بوسعه وذلك بالتحديد لا يبيح مطلقاً حرية تصرف الفلسطينيين بقضية قومية على هذه الخطورة ولا مع الشأن القومي الخطر للغاية كونها تغدو مسؤولية جسيمة أكبر من حجم فلسطين وامكانات شعبها المبعثرة أصلاً، ففلسطين في هذه المعادلة تشكل فقط رأس الحربة والرمح الأول في الدفاع عن حياضها القومي متى شكلت قاعدة المرتكز للمشروع الكولونيالي لتتخذ نقطة الوثوب الى الفضاء القومي بأسره كما هو واضح على أرض الحقيقة.
فهل كان بامكان منظمة التحرير بصفتها التمثيلية القيام بهذا العبء وبهذه المسؤولية الخطرة والأرض العربية تحت أقدامها لزجة منزلقة متواطئة حتى على أوطانها.
11- ألم ينتشر رذاذ القضية في أعماق المجتمعات العربية كافة وعلى مساحاتها من لبنان الى سورية الى الأردن الى العراق فالجزيرة فمصر فاليمن فالسودان الى آخر الوطن العربي، لكننا لم نسمع من طرف عربي صوت تأنيب الضمير، لم نسمع من طرف عربي ندم حقيقي من محاولة نفض اليد من قومية القضية، كما لم نسمع من قمة عربية مرة واحدة أن القضية بكل ما نشأ عنها بتعقيداتها بتبعاتها هي أكبر كثيراً كثيراً من قدرة شعب فلسطين وامكاناته وأن هذه القضية لن تسوى ما لم توضع على المرجل القومي وما لم يقر العرب أجمعين أن الحفاظ على أمنهم الاستراتيجي القومي المتكامل يبدأ من خط الدفاع الأول من فلسطين. هذا التنصل القومي أباح لاسرائيل كل هذه العربدة أباح لها عملية نهب الأرض وعمليات التفريغ العرقي عمليات طرح الوطن البديل لتشكيل فلسطين بديلة كون فلسطين والأردن عالقتان على قائمة الأولويات على الأجندة الاسرائيلية ولن تقف الأمور عند ذلك بل ستشكل نقطة الوثوب الكبرى للتفتيت وبناء دويلات هزيلة تحت الراية الإسرائيلية.
إن بواطن ألأمور التي تستهدف الأردن تستهدف فلسطين بالأصل وذلك مسحوب على كل قطر عربي. والأردن وفلسطين توأمان جغرافيان حول ضفتي نهر ألأردن يشكل الأول منها رئة المتنفس لفلسطين وهما على تلاحم متين لن يبيح لاسرائيل اطلاق مشروع ترسيم فلسطين بديلة بازالة الأردن.
فلا فلسطين في العالم إلا فلسطين واحدة على وجه هذه البسيطة ليس فقط بتضاريسها الجغرافية وموقعها الجغرافي بل بالرسالة والتاريخ الناصع الذي ميز فلسطين دون بقاع الأرض كافة فسميت الأراضي المقدسة العاصمة الثانية لأتباع الديانتين المسيحية والاسلامية كل شبر فيها ناطق برسالة السيد المسيح (له المجد) منذ مولده الى صلبه فمماته فنمت بعده رسالته السماوية وشعّت على الأرض من تراب فلسطين تحديداً كذلك هي مقدسة باسراء النبي محمد (صلعم) ولن يستطيع الكون كله مسح هذا التراث والكنز عن ارض فلسطين ولن تكون فلسطين بديلة في الأردن ولا في الهمالايا.
على الجهد القومي هنا أن يقر بخطأه الكارثي بتنصله من قومية القضية وقبل فوات الأوان فلن ينجو أحد منهم ولن يسلم رأس أحد ولن يأمن أحد على موقعه وعلى وطنه من مغبة المخططات المعادية. وأمام توغل المشروع الكولونيالي نحن ندعو الى ذلك لطرد الهواجس التي نخجل ونتحسب منها من تساوق البعض العربي مع مشروع الوطن البديل.
حيث أن الأردن وفلسطين تقعان في دائرة الهدف المباشر للمشروع الكولونيالي فلا يجوز الركون والاطمئنان أو السعي للحصول على ضمانات من أية قوة دولية حيث ان هذه القوى هي التي أقامت هذا المشروع الكولونيالي لخدمة مصالحها بالقوة وبالسلاح وبالتنظيف العرقي، كما أن هذه القوى لم تزل حاضنة لمخططات المشروع لم تكف يدها عن احتضانه فلا أمانة للمراهنة على تطميناتها بتاتاً ومطلقاً.
لذا فان معركة الدفاع عن فلسطين والأردن هي حصرية بشعبي البلدين على وحدة مانعة في أصولهما وعلى تماسك متين على ضفتي النهر فمعركة الأردنيين الموحدين على أرضهم تشكل خط الدفاع الأول عن فلسطين كذلك معركة الفلسطينيين الموحدين في الدفاع عن فلسطين في الموت قبل الرحيل تشكل خط الدفاع عن الأردن ومن خلفهما الحياض القومي في الحالتين.
هل يعتبر العرب للآن من لغة التفرد والانفراد في نسج العلاقات والاتفاقات والتحالفات مع اسرائيل، ولنبدأ بأنفسنا نحتن الفلسطينيون متى عقدنا مع اسرائيل على سرية وتفرد اتفاق أوسلو ما عنى ذروة الاستفراد بالمنظمة الذي جرّ سلسلة كوارث ام تزل مفتوحة على المجهول تفوح منها رائحة التنظيف العرقي ومحاولة جر السلطة الى تبادل أراض بسكانها كنوع مشرّع من التنظيف العرقي والاستيطان المنفلت.
تبعنا الأردن في اتفاقية العرابا 1994 تحت ضغوط وخشية الملك الراحل الحسين بن طلال من مطبات اتفاق أوسلو وما احتوته أية ملاحق سرية فيما قد يمس الأردن بخطورة، ولم تسعف هذه الاتفاقية الأردن في الحصول على كل ما نصت عليه خاصة في مجال حصته من المياه بل قبض منها المياه الملوثة ولم تسعف الاتفاقية في اطلاق سراح الأسرى ألأردنيين من السجون الاسرائيلية بل لم تراعِ اسرائيل حرمة أمن الأردن وسيادته في مواقف متعددة مثل محاولة اغتيال خالد مشعل على الأرض الأردنية ولا وأدت الاتفاقية مشروع الوطن البديل الى الأبد.
كذلك سبقتنا مصر في اتفاقية 1979 الصلح والسلام والخروج من دائرة الصراع نعم استردت مصر سيناء وتركت القطاع على اعتبار أنه غدا من مسؤولية منظمة التحرير لكن الثمن الذي دفعته مصر غالٍ جداً لم يجلب على المجتمع المصري أي تطورات وتقدم وحرية سياسية واقتصادية ومجتمعية تطويرية لا بل أن مصر لم تنجو من تهديدات اسرائيلية تارة بقصف السد العالي بالنووي وتارة بمشروع جر مصب النيل الى صحراء النقب لتخضير الصحراء فوق استغلالها لأزمات حوض النيل تجاه الاضرار بمصر، وتارة تراود مصر على تبادل 760كم2 من مساحة سيناء في مقابل مواز من صحراء النقب (جنوب شرق) لتخليق فلسطين بديلة في القطاع عوضاً عن الضفة. وتارة تضغط بضم القطاع الى مصر في عودة الى الأصول الجارية قبل 67 للإجهاز على حلم دولة فلسطين وهذا ما حذرنا منه في مقال صدر عنا تسعة أشهر قبل محاولة الإقصاء فالانقلاب ألاستباقي.
هكذا تبدو محصلة المبادلات الانفرادية وهكذا يعني الفرار القومي من أمام اسرائيل وهكذا بنيت سياسة التواطؤ والمشاركة في الحروب والحصارات من العرب على بعضهم البعض، فهل يعتبر العرب للآن وهل يعودون الى الطريق السليم هل يدركون أن أحداً لن يسلم برأسه ومتى يسلمون أن الصراع في فلسطين من البدء والى اليوم والى غد الغد هو صراع قومي محض حتى لا يربكهم حصاد البعثرة.