عقلنا ومضارب خيباتنا

2010-07-26 10:15:00

رايه نيوز: يتوقفُ المرءُ، مليا، في مواجهة السؤال المُلح الآتي: هل يكشف العقل العربي، في تجلياته وتجمعاته وصوره الجامعة، عن 'مفاجأة' في اليقظة والنهوض والتحرر وفي ادراك المصالح العربية المشتركة، التي تستدعي كل ما هو وحدوي ونافع وضامن للتطور والتقدم، وتستعدي كل ما هو معيق ومُدمر للذات والجماعات، للدول والأفراد؟
اللحاق بركب الحضارة في مبانيها ومعانيها التقنية الحديثة، ذات الوتائر المتسارعة والحقول المعرفية المتسعة المتعددة، المؤثرة في تركيبة المجتمعات وسلوكها وأنماط عيشها، وطبيعة انتاجها الإقتصادي المشتجر مع الأوضاع والمنطلقات السياسية، يحتاج إلى ما هو أشمل وأكبر من المباغتة، بقدر ما هو التعبير عن التوق العارم على فتح مجالات وصنع مسارات ' لحرق المراحل' والدخول من أوسع أبواب العلوم والتقنيات باستخدام كل القدرات والإمكانات الحقيقية والكامنة، وليس مهما أن نلج أبواب السيادة والعزة والكرامة والعدالة والحرية بادئين بالقدم اليمنى!
إن العقل العربي المحاصر بالجمود والظلام ومهالك التدمير الذاتي بحاجة إلى جهود ترفع عنه الحصار المتعدد الأشكال، تماما مثلما تحتاج غزة هاشم إلى رفع الحصار الفوري الكامل عنها، بلا مواربة وتضليل وتأخير وذر رماد في العيون.
العقل العربي لا يتوقف أمام هزائمه كي يتجاوزها، بل وضعية الجمود هي التي تجذب حواسه، ويتحرك احساسه وهو يذرف دمع الزمن التليد، أمام تماثيل من صنع يديه، كأننا عدنا من حيث كنا وصار لزاما علينا أن ندخل مكة بلا حدود معروفة في الرمز والتوقيت، كي نقنع الجاهليين بضرورة التوحد ودعم العراق وفلسطين وكل الأمة والمشاركة في قتال الفرس والروم والمرتدين وأدعياء النبوءة من التابعين الجدد للصهاينة والأمريكان، وكل أتباعهم في البطش والنهب والتخريب والاستعمار.
يبدو أن العقل العربي الجمعي، قد تشتت وتفرق-أيدي سبأ- إلى عقول وأمخاخ كثيرة، وحين تتباين الأنواع، تتعقد الأوضاع! فتنجو أفضل العقول وأكبرها و'أعقلها' فتنتج وعيها الفردي،فنصبح 'رهينة المحبسين' في سجن أبي علاء المعري، لكن في منفاها ولظاها وحرقاتها الناتجة عن سوء التقدير والمعاملة وعبثية وسطحية التقييم، وازدواجية المعايير في التعيين والتوظيف والتقييم والتحليل.. لكن أعظم وأفعل العقول من ذهب أصحابها شهداء أبرار في عملية الغزو الوحشي الذي أدى إلى تدمير العراق وارتكاب الجرائم والمجازر بحق شعبه وسرقة متاحفه والتعدي على أركان ومكونات حضاراته التاريخية. والإيغال في قتل علماءه، ومن هرب وتهرب أو خضع للإكراه والخطف والابتزاز، أو اشتراه الغرب كأنه يستكثر علينا بقاء بعض العلماء الكبار في ربوعنا ومضارب خيباتنا. وعن العقل العربي وتشريحه وبنيته وظلمته وخيبته ..، أبدع المفكر الراحل الكبير 'محمد عبد الجابري' في كتاباته المتقدمة الرائدة، لكني ما زلت أعتقد أن العقل الفلسطيني الجمعي ينقصه المزيد من التحليل والتشريح والتوحيد والتجميع وتنشيط الخلايا الكسولة، فقد يتيسر لنا الفهم الأفضل والأدق لسبر أغوار التفكير الانقسامي، والتبرير الانقلابي والتجيير الحصاري والتبديد في الطاقات والتيه في معاودة المفاوضات العبثية واجترار'ميتشل' وبلع لعبة الغاء الانتخابات البلدية من قبل حكومة السيد سلام فياض.
كيف يكون العقل، يملك مواصفات و'ميكانزمات' العقل النشط الفعال المبادر، وهناك من أُبتلي بعقله، فأورده مهاوي الهلاك والاضطهاد والقهر والتهميش والإفقار، فصار يتمتم في سره وفي علنه لو كان يملك بين كتفيه بطيخة، لكان ذاك أجدى له في غائلة السوق وارتفاع اسعار السقوط وسلع الهبوط وانخفاض أثمان التفكير الصائب، خاصة المشتجر مع مواقف يتصل فيها الفكر بالممارسة، الذهن المتوقد، عضوي التواصل، المرتبط بالنشاط الميداني في خدمة قضايا العرب والمسلمين، وفي المقدمة العراق وفلسطين، وفي زمن يحكم فيه ويتحكم ويتسلط فئات وقطعات ارتزاقية، ممن لا عقول لهم سوى في جيوبهم!! من يستخدمون المال لديمومة تخلف شعوبهم و'تخليد' تبعيتهم للغرب وأسيادهم، وتجديد 'بيعة' المراهنات التفاوضية على مسارات عبثية، من سار فيها 'من كل عقله' لن يقع سوى على الهوان والخيانة والندم الصريح.