في هذا المجتمع "المتماسك"

2010-08-10 07:43:00

رايه نيوز: ثلاث ملفات هي مجموع الملفات الحالية الموجودة على مكتب محافظ رام الله والبيرة ...ثلاثة ملفات كل ملف منها تقشعر له الأبدان...فتلك امرأة في الثامنة والسبعين من عمرها وبدل أن تعيش آخر سنيّ عمرها براحة وهدوء بال، تجد نفسها ملقاة على "قارعة الطريق"، أما التي ألقت بها فهي ابنة زوجها بعد أن مات الزوج...ذنب هذه المرأة التي عاشت مع زوجها سنين طويلة أنه لم يكتب البيت باسمها، ولم يفكّر بما يمكن أن تتعرض له هذه الزوجة بعد وفاته..

الملف الثاني لمناضلة نسوية ووطنية معروفة، عايشت زوجها "على الحلوة والمرّة"، فكانت له الممرضة والمعيلة بعد تعرضه لحادث طرق، وكانت له الزوجة والأم لأطفالهما الثلاثة...وما بين ليلة وضحاها تصبح طالقاً طلاقاً بائناً بينونة كبرى...حيث وفي خمسة أيام فقط تم تسجيل أعجل طلاق لتدخل فلسطين فيه "موسوعة جينيس للأرقام القياسية" تلك الموسوعة التي قارعنا وجهدنا لدخولها في السنوات الأخيرة، فدخلناها من خلال إبداعنا في صنع المأكل والملبس، أما اليوم والحمد لله فقد استطعنا أن ندخلها من خلال أمر غير عادي...ثلاث طلقات تمّ تسجيلها في خمسة أيام غيابياً ودون علم "المرأة المطلقة" إذ يكفي أن يعلم أهل زوجها بذلك، ليقوموا باستصدار قرار محكمة بعد ذلك وخلال جلسة واحدة فقط لإخراجها من منزلها بالقوة وهو قرار نعتز به أيضاً ومن الممكن لنا أن نسجله كرقم قياسي في ذات الموسوعة، فذاك القرار وحسب ما ورد في مذكرة محامي الزوج كان لا بدّ منه لانقاد الزوج، تحسباً من إلقائه وحد تعبير ذلك المحامي "على قارعة الطريق"، في الوقت الذي لم يأبه فيه هذا المحامي لا ولا القانون بأن هناك امرأة سيتم الإلقاء بها هي وطفلها القاصر وابنتها الجامعية على "قارعة الطريق"، فعلى ما يبدو أن قارعة الطريق في بلدنا هي للنساء والأطفال فقط ولكن حاشى أن تكون للرجال...
أما الملف الثالث فهو لمعلمة عريقة...مربية أجيال معروفة قام زوجها بتطليقها، وبالرغم من أنهما قاما بشراء المنزل معا، وبالرغم من أن المنزل مسجّل باسمهما مناصفة، إلا أن زوجها توجه للقضاء احتجاجاً على "استيلائها" هي وأطفالها على نصف البيت الذي يمتلكه دون أن يأبه بها أو بأطفالها، فما يهمه هو تحصيل نصف البيت الذي يمتلكه...ودون أن يأبه لإمكانية إلقائها هي والأطفال على "قارعة الطريق" طالما أن "قارعة الطريق" هي من حظ النساء.
أي وضع هذا الذي وصلنا إليه لنلقي بالنساء والأطفال إلى "قارعة الطريق" ...أي مجتمع هذا الذي كان يجاهر ويكابر بالتضامن، وباحترام النساء والأطفال...أي مجتمع هذا الذي طالما تغنى بأنه يحجّب نساءه لأنه يحرص عليهن، ويخاف عليهن حتى من العيون التي من الممكن أن تخترق أجسادهن "فتخدشها"، ولكنه (هذا المجتمع) هو أيضا المجتمع الذي بات لا يخاف على هؤلاء النساء عندما يتهاون في الإلقاء بهن إلى "قارعة الطريق"...أي مواطنة هذه التي تتمتع فيها النساء المناضلات أخوات ورفيقات دلال المغربي وعايشة عودة ورسمية عودة وليلى خالد ولينا النابلسي ومنتهى الحوراني وآيات الأخرس...والكثيرات...أي حال هذا الذي وصلنا إليه متذرعين بالدين، والدين من إلقاء النساء إلى الشارع براء...ومتذرعين بالعادات والتقاليد وقد خرجنا عن أجمل ما فيها وحافظنا على كل ما هو سيئ ومخجل...
لم أفاجأ كما غيري من النسويات من القانون الذي ما زال مطبقاً في محاكمنا، لا ولا من السياسات المختلفة التي بالكاد بدأت تعترف بوجود النساء، ولا من أصوات الرجعية التي عرفناها وناضلنا ضدها منذ سنين طوال...ما يفاجئني هو تورط من يدّعون بأنهم مناضلون، وبأنهم تقدميون، وبأنهم مدافعون عن حقوق الإنسان في هذه القضايا سيئة الصيت...ولن أعددهم في مقالتي هذه ولكنني وفي الوقت ذاته لا أضمن عدم التطرق إلى ذكر أسمائهم فيما بعد...
أما أن الآوان للسلطة الوطنية الفلسطينية أن تترجم "اتفاقية إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة" التي أعلنت عن تبنيها إلى واقع...أما آن للمسؤولين أن يخافوا على بناتهم... أخواتهم... حفيداتهم، من مصير مشابه ...أما آن الأوان لكي نحترم إنسانيتنا حتى نستطيع أن ندافع عنها أمام الغير...أن نحترم كرامتنا ونصونها قبل أن نطالب الغير باحترامها وصيانتها...أن ننسجم مع ذاتنا....مع فكرنا...مع طرحنا... قبل أن نطالب الغير بالانسجام مع هذا الفكر وتبنيه ؟؟؟!!!!