أسئلة بلا اجوبة

2010-08-12 06:37:00

ليس صدفة ان تختار حكومة الاحتلال تجريف مقبرة مأمن الله في القدس تحت جنح الظلام تعبيرا منها عن سلوك اللصوص وقطاع الطرق اللذين ينفذون غاياتهم في الاوقات غير المتوقعه ، لكن الامر لا يتوقف عند حدود ذلك بل تعمدت ان يتزامن تصرفها مع وصول جورج ميتشل مبعوث الادارة الامريكية للمنطقة كما فعلت في المرات السابقة اثناء زيارة نائب الرئيس الامريكي حيث اختارت الاعلان عن بناء الف وستمائة وحدة استيطانية في القدس ومحيطها وكذلك فعلت اثناء زيارة السناتور ميتشل نفسه ، وهي تريد من وراء ذلك ان ترسل رسالة قوية واضحة المعالم لكل ما نحي الفرص او لمن لازال لديه شبه قناعة بأن تذعن اسرائيل لمتطلبات استئناف عملية التسوية التي تتمثل بوقف الاستيطان وكذا تهويد مدينة القدس وتغيير معالمها الجغرافية والديمغرافية ، ورفع الحصار عن الشعب الفلسطيني ، ثم الدخول في مفاوضات جادة تنهي الاحتلال في اطار زمني ومرجعية محددة ، هذه الرسالة مفادها ان حكومة الاحتلال غير معنية بالوصول الى حل عادل يعيد للشعب الفلسطيني حقوقه في الحرية والاستقلال والعودة ، وبالتالي على المجتمع الدولي القبول بالشروط والاملاءات الاحتلالية التي تستبعد مدينة القدس وعودة اللاجئين الى ارضهم وديارهم وفق القرار الاممي 194 مضافا اليها اشتراطات نتنياهو المتعلقة بالاعتراف بيهودية الدولة ، ودولة فلسطينية منزوعة السلاح لا تتمتع بالسيادة على الارض والسماء والبحر والمياه . يبدو ان الادارة الامريكية الذي وصل مبعوثها الى المنطقة دون ان يحمل في حقائبه اجابات على رسالة لجنة المتابعة العربية التي فوضت القيادة الفلسطينية بدء المفاوضات المباشرة ، يبدو انه لم يعد يعنيها الاحراج الذي سببته وتسببه تصرفات حكومة نتنياهو وابتلعت هذه الادارة مرارة الاهانة والاستخفاف تجاه مسؤوليها رفيعي المستوى وكذلك فعلت ازاء سياساتها المعلنة التي اعتبرت الاستيطان والاجراءات الاحادية الجانب عقبة كاداة امام حدوث اي تقدم يذكر في عملية التسوية اذ تحاول بكل السبل توظيف مكانتها من اجل تسويق الموقف الاحتلالي لدى الاطراف الدولية ، والعربية والفلسطينية وحيث يطال نفوذها وتؤكد الوقائع ان ادارة اوباما نجحت الى حد كبير من تحويل الضغوطات التي كان ينبغي ان تكون على حكومة المستوطنين الى تبني رؤية نتنياهو وشركائه وتوجيهها نحو الطرف الفلسطيني ولدينا مايشير بأن مقاومة هذه الضغوط والاملاءات لن تصل الى حد رفض الانتقال الى المفاوضات المباشرة ، وعليه فان الذهاب الى المفاوضات المباشرة لا تتعدى مسألة وقت لا أكثر من ذلك ، وسوف تستمر السياسة العدوانية الممنهجة على الاراضي الفلسطينية كنتيجة طبيعية لضعف الموقف العربي بشكل عام وترك الفلسطيني وشأنه يقرر مايشاء في ظل الوضع الداخلي المأزوم على كافة المستويات .
لقد اضحت الخيارات الفلسطينية محدودة باتجاهين اما الذهاب الى المفاوضات المباشرة وفق الشروط والاملاءات الاسرائيلية ، الامر الذي ينذر بنتائج كارثية مدمرة لأسس المشروع الوطني الفلسطيني او رفض هذه الضغوط والحفاظ على ثوابت الموقف الفلسطيني وفي هذه الحالة يتطلب من الجميع ان يتحمل مسؤولية نتائج هذا الموقف الوطني الذي يفرض استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية بشكل فوري وبناء استراتيجية شاملة تعيد النظر بما هو قائم حتى الان ، الامر الذي لم ينضج بعد من خلال تباين المواقف والرؤى بالاضافة الى عوامل الانقسام الذي لا يبدو نهايته تلوح بالافق ...
ثمة من يتساوق مع التهويل واحتمالات ان تدفع السلطة اثمان موقفها في حال رفض الذهاب للمفاوضات المباشرة كأن تواجه الحصار المالي والسياسي الامر الذي يقلق الشريحة الاوسع من شرائح المجتمع الفلسطيني بعد تجربة الحصار المرير الذي دام ثمانية عشر شهرا عام 2006 على اعتبار ان الدخل لهذه الشريحة يأتي من خلال فاتورة دفع الرواتب للموظفين ومجرد التلويح او الترويج لهذا الامر سيجعل الاهتمام ينصب باتجاه القبول باي شيء مقابل استمرار الراتب وتأمين لقمة العيش . وهو ما تحاول هذه الاوساط الوصول اليه بعبارة اخرى كي الوعي الفلسطيني وجعله رهينة ما يخطط له الغير وهو امر في منتهى الخطورة ، كما هو حال التهويل ، لابد من التنبه الى مخاطر التهوين واطلاق شعارات غير محسوبة العواقب تحاكي عواطف الجمهور وتضليله وبالتالي الوقع باخطاء لا يمكن تفادي نتائجها المدمرة ، اذن هي دوامة السياسات الخاطئة التي انتجتها عملية التسوية المختلة الموازين منذ عقدين من الزمن ...
يسود اعتقاد خاطئ في مسار العمل الوطني منذ بداياته حول تكامل الفعل الوطني بكل اطيافه السياسية ، حيث تشكل المخاطر المحيقة بالمشروع الوطني الفلسطيني عوامل توحد لا عوامل فرقة باعتبار ان العدو يستهدف الجميع والطبيعي ان يكون هناك خلافات وتناقضات ثانوية متعددة في الاطار الوطني ولكن من غير الطبيعي ان تتولدقناعة لدى فصائل العمل الوطني اساسها ردة الفعل لا صناعة الفعل ، وبالتالي ما هو مهم اليوم يكون غير مهم في الغد كما حصل على سبيل المثال لا الحصر ردود الافعال الصاخبة تجاه تقرير غولدستون وقرار محكمة لاهاي وغيره حيث بدا الامر فرصة لا تعوض من اجل تصفية الحسابات والانتقام " على كل حال هذه الايام لا احد يتذكر التقرير الا بمحض الاستخدام " هل استفادت الاطر الوطنية من هذه التجربة المريرة ؟
امام كل هذه الازمات هناك اسئلة تدور في ذهن المواطن العادي والسياسي وربما في اوساط النخبة المثقفة لا بد من سبر اغوارها حول الواقع الراهن وافاق المستقبل .
أولا ً : ماذا سيفعل الرئيس في حال استمرار الضغوطات الامريكية الاسرائيلية ، والاروربية ، والعربية والاسلامية هل سيقدم استقالته ؟ واذا استقال هل ستحل المشكلة في ظل الواقع الفلسطيني المنقسم على نفسه ؟
ثانيا ً : ماذا لو رفضت القيادة الفلسطينية الذهاب الى المفاوضات تحت سيف الاملاءات والشروط الامريكية الاسرائيلية ؟ هل هناك خطط وبرامج واستراتيجيات مواجهة تعيد للقضية الفلسطينية اعتبارها على المسوتى الدولي ؟ ...
ثالثا ً : ما هو الدور المؤثر الذي يمكن ان تقوم به فصائل منظمة التحرير الفلسطينية التي تشكل اساس المشروع الوطني ، وما زالت اسيرة العقلية الفصائلية والبحث عن التمايز حتى لو كان ذلك التمايز من حيث الشكل لا اكثر من ذلك ؟ ...
رابعا ً : هل تشكل فصائل العمل الاسلامي البديل الواقعي للمشروع الوطني الذي قادته منظمة التحرير الفلسطينية ووصلت به الى انشاء السلطة الوطنية نتيجة اتفاق المبادئ عام 1994 ثم فازت حركة حماس بالانتخابات التشريعية وشكلت الحكومة وما اعقب ذلك من تداعيات ادت في محصلتها الى الانقسام الداخلي ؟ ... ام هي جزء من الازمة العامة ؟ ...
خامسا ً : لماذا عجزت الفصائل الوطنية والاسلامية عن تحريك الشارع بموازاة ما تتعرض له مدينة القدس ومحاولات تهويدها ، وتهديد مقدساتها الاسلامية والمسيحية وطرد سكانها في محاولة غير مسبوقه من اجل فرض سياسة الامر الواقع .. ؟
سادسا ً : لما لم تستطع فصائل العمل الوطني من تشكيل الدرع الواقي في مواجهة المخططات الهادفة الى شطب الحقوق الوطنية والسياسية بما فيها تحريك الشارع للتعبير عن رفض الضغوطات الامريكية الاسرائيلية بالذهاب الى المفاوضات العقيمة التي تدور في حلقة مفرغة ، ولماذا تنساق خلف ردات الفعل كماحدث مع تقرير غولدستون ؟ ..
سابعا ً : ما الدور الذي تقوم به مؤسسات المجتمع المدني باعتبارها احد مكونات المجتمع الفلسطيني ، هل هي فعلا مكملة للاطار الوطني العام ؟ ام تحاول لعب دور الفصائل كنتيجة طبيعية للفراغ الذي احدثه واقع عجز هذه الفصائل التي تعاني ازماتها الخاصة .

ان الخروج من الازمة الراهنة يتطلب الاجابة الواعية عن هذه الاسئلة وغيرها ، من خلال سبر اغوار جوهرها واستخلاص النتائج والدروس وبالتالي استباط افضل السبل من اجل انجاز عملية التحرر الوطني الفلسطيني والوصول الى شاطئ الامان .