ما يُصَدّق و"ما لا يُصَدّق" في الرواية الفلسطينية

2010-08-12 09:48:00

رايه نيوز: ثمة ما يمكن تصديقه و"ما لا يمكن تصديقه" في الرواية الفلسطينية حول مسار ميتشيل وجهوده الرامية نقل "الأطراف" من محادثات التقريب إلى المفاوضات المباشرة. * * نحن نصدق مثلاً، أن السلطة ليست متحمسة للمفاوضات المباشرة، وأنها لا تريد الانتقال إلى موائدها من دون أن تضمن وقف الاستيطان واعتماد مرجعيات وجداول زمنية واضحة لهذه المفاوضات، حتى لا يتكرر "مسلسل المفاوضات العبثية المشؤوم ذاته" الممتد بامتداد عقدين من الزمان، ولكي لا تجد السلطة نفسها عارية من مطالبها وشروطها وماء وجهها للمرة الثانية في غضون أشهر ستة.

بيد أننا لا نصدق، وكثيرون غيرنا لا يصدقون، بأن هذا الموقف سيظل على حاله، فبعد كل جولة من جولات ميتشيل في المنطقة، تتراخى القبضة الفلسطينية ويضعف استمساك السلطة بمطالبها/شروطها، وما عجزت السلطة، ومن خلفها النظام العربي بمجمله، عن انتزاعه من إسرائيل - الالتزام بمطلبي وقف الاستيطان والمرجعيات - نراها اليوم، تبحث عنه لدى طرف ثالث - واشنطن أو الرباعية على سبيل المثال - والفارق من الأمرين بيّن وجوهري، خاصة حين يتعلق الأمر بإسرائيل التي لا تحترم عهودها ومواثيقها، فما بالك بوعود الآخرين وتعهداتهم. * *

نحن نصدق أن السلطة تتعرض لضغوط أمريكية - أوروبية - وعربية (المعتدلون العرب)، للانضمام إلى مائدة المفاوضات المباشرة، وأحيانا من دون قيد أو شرط، كما تطالب إسرائيل بالضبط.

بيد أننا لا نصدق حكاية "الضغوط غير المسبوقة"، بل ونجزم بأن السلطة تبالغ في تصوير حجم هذه الضغوط لغرض في نفس يعقوب، الذي صار "أيوب الفلسطيني" بعد أن تحدث عن "ضغوط لا قبل لبشر عليها"، علماً بأننا لم نشاهد في الأخبار إقدام الدبابات الإسرائيلية على هدم "المقاطعة" على رأس "أبو مازن" كما فعلت في العام 2002 حين كان "أبو عمار" سيد "المقاطعه" و"القرار المستقل". ثم أن كل من تابع تجربة المفاوضات في السنوات العشر الأخيرة، بمقدوره أن يتأكد ويؤكد أن ضغوط هذه الأيام، تبدو "نزهة قصيرة" قياسا بضغوط كامب ديفيد عام 2000، فلماذا كل هذه المبالغات، ولماذا هذا العزف اليومي، غير المتقطع، على نغمة الضغوطات غير المسبوقة، والتي "تنؤ بحملها الجبال" إلى غير ما هنالك. * *

في ظني أن المبالغة في حديث الضغوطات، والتركيز المفرط على أنها غير مسبوقة والقول أن "لا قبل لبشر عليها"، ليست في واقع الحال سوى خطوة على طريق إعداد الرأي العام الفلسطيني أولاً، والعربي في المقام الثاني، للحظة الهبوط الاضطراري الوشيك عن قمة الشجرة، وأن كل هذه الترويج لحكاية الضغوط، ليس في واقع الحال، سوى فصل من مسرحية سترفع الستارة عنها، وسيظهر اللاعبون بعدها متحلّقين حول "مائدة المفاوضات حياة".

قرار استئناف المفاوضات المباشرة، متخذٌ من قبل، ولو كانت السلطة لا تريدها قولاً وفعلاً، ولا تنوي الذهاب إليها إلا بشروطها ومطالبها، لما توجهت- السلطة - إلى الجامعة العربية بـ"طلب استشارة"، بل كانت ستتخذ الموقف في رام الله، وتذهب به إلى القاهرة طالبة دعم وتأييد العرب، كل العرب. لكن السلطة التي قررت المضي على طريق غير نافذ وذي اتجاه واحد، تجد نفسها مضطرة للبحث عن "التغطيات" و"المظلات" و"شبكات الأمان"، بدأتها بالاجتماع الوزاري العربي في القاهرة، وأنهتها بهذه "المواجهة المحسومة سلفاً" مع ميتشيل، ونقول محسومة سلفاً، لأن السلطة قررت سلفاً عدم استخدام أي من أوراقها، بما فيها ورقتي "استقالة الرئيس" و"حلّ السلطة" اللتين سحبتا من التداول، وثبت أن تلويح السلطة بهما، لم يكن يوما بالأمر الجدي، بل استذكارا وإعادة إنتاج لحكاية "الراعي والذئب" التي قرأناها صغاراً في مدارس "الأونروا".

لهذه الأسباب مجتمعة، لا يبدو الشارع الفلسطيني متفاعلاً من قيادته، وتبدو ردة فعله اليوم، مغايرة لما كانت عليه في العامين 2000 و 2002، فلا أحد يسألك ماذا سيحصل إن استمر الرئيس عباس على موقفه، الكل يسألك متى سيتراجع عن الموقف وكيف، وهل سينتزع مقابلاً، أم أننا سنشاهد الفيلم ذاته مرة أخرى.

المسألة لا تحتاج إلى "عبقرية خاصة" للتمييز بين ما يمكن تصديقه وما لا يمكن تصديقه في الرواية الفلسطينية، فالمكتوب يقرأ من عنوانه، وعنوان هذا المكتوب قرأناه مرات ومرات، إلى أن حفظناه عن ظهر قلب.