غولدستون: الإعلام والعقلية الفلسطينية
شكل ما تناقلته بعض وسائل الإعلام عن نية السلطة الوطنية الفلسطينية سحب مطلبها بأن تقوم لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة بتبني تقرير ريتشارد غولدستون، حول جرائم جيش الإحتلال الإسرائيلي خلال الهجوم الأخير _والمستمر_ على قطاع غزة، عاصفة من التراشق الإعلامي الداخلي لشتى المؤسسات المتنوعة بشقيها الحكومي وغير الحكومي،الأحزاب وأشباه الأحزاب المختلفة والشخصيات التي لا تستيقظ إلا ان كان هناك حفلة زواج لتسريع الطلاق"بدهم عرس يشبعوا رقص أو/ و مأتم يشبعوا لطم". وكما هو المعتداد بدأ الجميع يعد إعداد الحرب الإعلامية على الفضئيات، أو في المهرجانات الخطابية لتنقسم وتتقاتل الضحية الى فريقين أو أكثر، دون النظر الى ذلك الغزاوي_وما أكثرهم_ الذي جعل الأرض سريراً والسماء غطاءً بعد ان دمر المغتصب منزله دون أن نجد حل لقضيته، وهو الضحية الأساسية التي جاءت من أجله لجنة التحقيق التي صدتها حكومة الإحتلال بمختلف الأشكال.
ادعائي هنا بأننا تعاملنا ونتعامل مع هذا الحدث، بصورة أن تقتل الضحية مرة ثانية بيدها وبأداة ابتكرتها بعد أن قتلها الإحتلال كما هو معهود بما نفعله دائماً بأنفسنا، وتلك الصورة تجدها ما اذا نظرت الى الأمور من زاوية أوسع وليس تسجيل أهداف بكرة مملوءة بدماء الضحية، سأضع بعض النقاط التي مازلت أفكر بها حتى كتابتي هذه بأن المشهد مختلف لكن القضية واحدة حول كيف علينا النظر الى الغابة من الخارج لمعالجتها دون التثبت في جذور شجرة مهترئه عن أخرى:
مازال التخبط الاعلامي واضح للعيان عند وقوع الحدث لدى المؤسسة الحكومية بمختلف المستويات والشخصيات، البعض ينفي والآخر يؤكد، مما يؤدي الى ضعف الرسالة التي يجب أن تصل الى المواطن العادي، وتقوية أي رسالة أخرى. وهنا أسأل هل طرح مسببات ذلك التأجيل وليس الغاء التصويت كما روج من البعض على القرار بشكل واضح للمواطن؟! اذن أين مؤسساتنا الإعلامية الرسمية؟ وأين الناطقين وليس الناطق الإعلامي للحكومة؟ والرئاسة؟ ....؟........؟ ذلك واضح اذا ما قمت بدراسة وقراءة زاوية الأخبار والتقارير السريعة للإعلام الإلكتروني، وحتى الفضائيات وما استضافتهم من شخصيات.
أعتقد بأننا نؤمن بالرواية الإسرائيلية وبصحيفة "هآرتس" أكثر ما نؤمن بروايتنا وتجاربنا، فالتسريبات الإسرائيلية لا أساس لها من الصحة بأن السلطة ستسحب طلبها، وذلك لسبب بسيط جداً، وهو أن البعثة الفلسطينية في الأمم المتحدة تحمل صفة مراقب، ولا تستطيع سحب هذا الطلب أو القرار بشأن هذا القرار وبالأساس ليست هي من قدمته.
من أخذ القرار في التأجيل، الرئيس؟ منظمة التحرير الفلسطينية؟ الحكومة الفلسطينية؟ ممثل فلسطين في جنيف؟ وكيف؟ وما هي الأسباب؟ وبعد أن تم اتخاذه كان من الأجدر طرح الأسباب مباشرة للضحية، وكشف ذلك بوضوح لكي يتحمل المجتمع العربي والإسلامي، وليس أهل الضحية الذين يعانون من الضغط الدولي بمختلف الأصعدة. لكي لا نقع في دوامة الفعل ورد الفعل ونخسر القضية بالأساس، وعدم الإستسخاف بعقلية المواطن الفلسطيني.
لم أسمع أحد قال أين المجموعة الأوروبية، والولايات المتحدة الأمريكية ممثلة برئيسها أوباما من هذا التقرير؟! فالتغير بالموقف لم يحدث اذن، رغم أن القضية واضحة وهنا تأتي أهمية الجرأة السياسية في التغيير وليس الثبات بالموقف السياسي السابق، مع الأخذ بعين الإعتبار بأن الضحية قتلت في الوقت الحرج للرئيس الأمريكي دون أن نسمع له صوت، والآن يلعب دور المعارض للقرار. فأين التغيير لسياسته؟!!
لم أسمع أحد يتحدث عن موقف المجموعة العربية ومجموعة دول عدم الإنحياز والدول الإسلامية والمجموعة الإفريقية الذين طرحوا هذا الملف بالأساس من التصويت رغم أنها من طالبت بذلك ، ليبدأ العد التنازلي بالأصوات وليس العكس. 38..35..30.. .28..."والحبل على الجرار" علينا معرفة أسباب ذلك. وهذا ضغط آخر تعرضنا عليه أهل الضحية. وعلى من يريد خوض التصويت عليه الحساب واليقين بنجاح القرار، لكي لا نقع في حالة إحباط تؤثر على التقرير وكيفية التعامل معه. لأن التصويت على هذا القرار تعامل معه البعض على انها معركة تصويت لأنتخابات رئاسية الفشل بها يعني خوض تجربة أخرى للتصويت على عضوية المجلس التشريعي. لنخرج من تصفية الحسابات والنظر الى ضحايان بعقل وقلب مسؤول، وليس همنا الأساسي عضوية منظمة تحرير...أو .....أو....
لماذا لا نخاطب الدول تلك، ونكشف الأسباب الحقيقية وراء ذلك لمنعهم أو امتناعهم عن التصويت في اللحظات الأخيرة. لكننا نكتفي بشتم أنفسنا بتفاخر، وتصيح حماس من دمشق وغزة وبيروت، ويطلبون من صلاح الدين في قلعته تحرير القدس مرة ثانية؟!...وتصيح بعض الشخصيات التي تستفيق من سباتها لأنها وجدت المأتم الذ يوفر لها منبر اعلامي...ويصيح بعض من شخصيات فتح في رام الله وأجزم بأنهم لا يعلمون ما هي القضية الأساسية؟ ولم يقرؤوا التقرير بحد ذاته. وتناسوا جميعاً بأنهم أهل الضحية.
أما مؤسساتنا المختلفة.رغم أهمية دور السلطة"بمخلف المستويات" في ما حدث الا أن القضية ليست من يسارع بإصدار البيانات والشجب والإستنكار على السلطة الفلسطينية وإقامة المسيرات فنحن جميعاً أهل الضحية،فأين كنا عندما كانت غزة تغتصب لنتعاطف معها كأننا نتعاطف مع ضحايا فيضان في قارة أخرى، لنتكفي بإضاءة شمعة وأخذ صور تذكارية والسير في ساحة دوار المنارة؟! ما هو أهم هنا هو كيف علينا أن نعمل جميعاً؟؟ نعمل على دراسة التقرير المكون من 600 صفحة ونقل موضوع القرار بشأن التقرير الى الجلسة الثالثة عشرة للمجلس المقررة في مارس المقبل، كذلك على جميع المؤسسات الحكومية وغير الحكومية العمل على تجنب مواجهة هذا التقرير بفيتو خاصة انه مطروح رفعه الى مجلس الأمن الدولي، لجنة حقوق الإنسان ومحكمة الجنايات، ويلقى مصير تقرير مجزة بيت حانون " تقرير الأب تيتو" أو قرار لاهاي ضد جدار الفصل العنصري. وهنا مطلوب من وزارة الخارجية عمل استراتيجية عمل بالشراكة مع المجتمع المدني في اطلاق حملة دولية سريعة لتعزيز وتدعيم تقرير غولدستون. علينا العمل يداً بيد، وتعزيز أجواء المصالحة، وإستيقاض القبطان الداخلي فينا للعمل البناء، لأن السفينة وركابها لايحتملون أي خطأ كان.
على مؤسساتنا المختلفة ادانة اسرائيل في اي محفل، واستخدام هذا التقرير، والترويج له في أي مناسبة كانت، وتجنيد الرأي العام العالمي، والإ اعتبرت مهاتراتنا عبارة عن ضوء أخضر لقوات الإحتلال بالإستمرار في سياساتهم ،لا سيما في ظل عدوان إسرائيل المتكرر وتصعيد سياستها الاستيطانية والتوسعية في القدس وباقي الأراضي الفلسطينية.