الاستدراج

2010-08-29 12:12:00

رايه نيوز: الصينيون يطلبون العلـم من جامعات أميركا.. التي تطلب من الصين البضائع. فماذا نطلب نحن من اليابان (أُكرّر اليابان)، قبل 2 أيلول وعلى مدى سنة.. وبعدها بسنوات؟
سأقول: نطلب الشعر والقصيد، علـماً أن الشعر ديوان العرب، لكن الشعر الياباني، وهو كاللغة يكتب عمودياً، له ميزة مفيدة في السياسة.
تقول الشابة نايا، ابنة الفنان التشكيلي الفلسطيني ــ الفرنسي سمير سلامة: إن بعض شعراء اليابان يكتبون قصائدهم.. فإذا قرأتها من فوق إلى تحت استقام الـمعنى... لكن، إذا قرأتها من تحت إلى فوق... انقلب الـمعنى إلى نقيضه. الحب يصير كراهية، والجمال يغدو قبحاً... إلخ.
الـمعذرة على استهلال أدبي ياباني، لكنه يذكرنا بالـمعنى ونقيضه، بالشروط والأهداف من مؤتمر واشنطن العتيد، وهو أشبه بمؤتمر مدريد 1991 الدولي. نحن نذهب تحت مظلة بيان "الرباعية"، وإسرائيل تذهب تحت مظلة دعوة هيلاري كلينتون. شروط مسبقة فلسطينية، "مفاوضات بلا شروط" إسرائيلية... والتجسير الأميركي أن للفريقين أهدافاً مختلفة، ولو يسمونها مشروطة أو غير مشروطة.
هكذا، إذاً، نقرأ القصيدة اليابانية الحديثة من فوق لتحت (الدولة والسلام) أو تقرأها إسرائيل من تحت لفوق (الأمن والسلام.. ونهاية الـمطالب الـمتبادلة).
بيان "الرباعية"، الذي يذهب الفلسطينيون تحت مظلّته، أحال قراراته الخمسة، بما فيها قرار آذار في موسكو، إلى الديباجة، والدعوة إلى مفاوضات مباشرة باعتبارها الـمتن.. بما يُذكّرنا بديباجة القرارات من أوسلو إلى أنابوليس، أي القرار (242). لا جواز للاستيلاء على الأرض بالقوة (ديباجة) وحدود آمنة ومعترف بها (الـمتن).
متن "الرباعية" الجديد (والدعوة الأميركية أيضاً) هو الـموعد ــ الهدف لإنهاء الـمفاوضات خلال عام، وليس خلال عامين كما في بيان "الرباعية" الأخير في موسكو.
تعود إلى الشعر العربي هذه الـمرّة، أي إلى شاعرنا درويش: "سنة.. سنة أخرى فقط.. أو طلقة تقضي على كل شيء".. فماذا بعد 2 أيلول 2011؟ "اتفاق صعب لكن ممكن" على ما يقول الجميع: فلسطينيون وإسرائيليون، أميركيون وأوروبيون، أو "اتفاق رف" ينتظر عودة غزة إلى شرعية رام اللّه، قبل الاتفاق فالأمر صعب وبين الاتفاق وتنفيذه أكثر من مائة طابا ومائة قرية الغجر على أميركا أن تجد لها حلولاً.
قبل موعد البداية في 2 أيلول بمؤتمر دولي ولو غاب عنه الاتحاد الأوروبي (لأنه لـم يكن موجوداً أيام مدريد)، وبحضور مصري وأردني.. وغياب سوري، باشرت أميركا التجسير بين الشروط الفلسطينية (إذا خرقوا التجميد ننسحب) والشروط ــ اللاشروط الإسرائيلية، بإرسال الأميركي اليهودي الـمحنّك دينيس روس إلى إسرائيل وفلسطين، للاتفاق على خرق محدود للتجميد بعد 26 أيلول يشمل بعض الكتل الاستيطانية ولا يشمل الـمستوطنات الـمبعثرة خلف الجدار.
الـمفارقة في الأمر، أن واشنطن تتصرّف كما لو أن السلطة الضعيفة هي "قوية" ولا بديل منها؛ وإسرائيل القوية هي "ضعيفة" لأنه يوجد بديل منها إذا انهار الائتلاف اليميني ووضع ركامه في طريق السلام. معارضة "حماس" والفصائل لا شيء.. ومعارضة "شاس" و"إسرائيل بيتنا" هي الشيء، والهدف هو ما قاله دينيس روس: نتنياهو قادر على تمرير الاتفاق برشوة مالية لـ"شاس" ورشوة سياسية لـ"إسرائيل بيتنا".. أو ببساطة باستبدالهما بحزب "كاديما" سواء بدخوله الائتلاف أو بدعمه الاتفاق في الكنيست من خارج الائتلاف.
يهمنا، أولاً، حال الصف الفلسطيني، الذي يُذكّر بحاله في الـمنعطفات السياسية منذ برنامج النقاط العشر 1974 إلى الخروج من بيروت، فإلى أوسلو. الفصائل تعارض و"فتح" تقود (غالبية "فتح" لا كل "فتح") لأنها عماد الثورة والـمنظمة والسلطة.. والدولة أخيراً.
في منعطف "كامب ديفيد 2000" خيّب صمود عرفات هواجس الفصائل الـمعارضة باستسلام سياسي، وكان الثمن عشر سنوات من الفوضى والارتصاف الجديد الفلسطيني، الـمسمّى انقساماً.
في منعطف ما بعد "أنابوليس" أسقط أبو مازن رهانات أخرى للفصائل الشكّاكة أبداً، فإذا كان "كامب ديفيد" أياماً وأسابيع قليلة، والـمفاوضات الـمباشرة مع أولـمرت شهوراً أقل من عام، فإن أمامنا عاماً كاملاً وحافلاً.. وخطيراً بالطبع، وعلى أبو مازن أن يقدم امتحانه. هو ذاهب إلى مفاوضات العام إن خيراً فخير... وإن شراً فشر، وفي تعبيره: لن نخسر شيئاً إذا فشلت مفاوضات العام، وقد نربح أشياء إذا أفلحت الـمفاوضات.
لا شعبية فلسطينياً للـمفاوضات الـمباشرة، ليس شكاً بصلابة أبو مازن، لكن لشكوك كثيرة في سلامة النية لدى بنيامين نتنياهو، لا في نية الرئيس أوباما، الذي يثق عباس في صدق نواياه شخصياً.
الرئيس أوباما وجد طريقة في كتابة قصيدة يابانية حديثة يقرؤها الفلسطينيون من فوق إلى تحت، والإسرائيليون من تحت إلى فوق.
... وهذا هو الاستدراج نحو الفخّ أو نحو الـمخرج.