عندما يمتطون السياسة بالمقلوب!
رايه نيوز: في الوقت الذي يتعرض فيه الشعب الفلسطيني بكل مكوّناته لضغوط دولية واحتلالية وإقليمية للسير في الطريق نحو التفاوض المباشر، يشهد الوضع الفلسطيني ضغوطاً أخرى مختلفة ومن جهات مختلفة، بدءاً من إطلاق فزّاعات التطبيع، مروراً بالتخوين وانتهاءً بالتكفير، لا سيما من قبل بعض الأطر والهيئات الدينية وغير الدينية التي تتصرف تجاه الشعب الفلسطيني وكأنما هي صاحبة الوصاية والقول والفصل في تحديد ما هو لصالح الشعب الفلسطيني وما هو لغير صالحه، بل ويخال للمرء عند سماع بعض فتاويهم واتهاماتهم، وكأنما يعتبرون أنفسهم ظل اللّه على الأرض، فيُحرّمون ويُحلّلون ويُجرّمون ويُكفّرون براحتهم دون أي اعتبار لحسيب أو رقيب أو نظام وقانون يُسائلهم عند الجنوح أو الغيّ والضلالة التي يمارسها البعض في كثير من الأحيان والمواقف. وكثيراً ما يطلّ علينا هؤلاء برؤوسهم، خصوصاً في أوقات الأزمات والحروب والنزاعات، وبدلاً من أن يساهموا في مؤازرتنا ودعمنا في حل قضايانا، تراهم يفسدون علينا مصالحنا الوطنية ويسهمون في تعميق الخلافات والفتن فيخدمون أعداءنا وخصومنا بقصد أو بغير قصد. وبالتالي عندما يُهاجموننا ويتهموننا تحت عنوان حرية الرأي والنقد ويكون رأيهم وانتقاداتهم محمّلة بوابل من الانحياز والتطرف ضدنا، دفاعاً عن أجندات وحسابات ومصالح متعارضة ومعادية للمشروع الوطني ولمصالح شعبنا، يكونون بذلك قد وضعوا أنفسهم خارج السياق والنص المفترض أن يتأطّروا فيه وطنيا،ً وسقطوا في مستنقع خلق الفتنة بدلاً من وأدها وتعزيز لُـحمة وحدتنا الوطنية بالحكمة والموعظة الحسنة. في حين مثلاً لم نسمع لهم صوتاً هاتفاً لا في السّحر والكَرَى ولا في وضح النهار لإدانة المجزرة التي ارتكبت بحق مجموعة دينية فلسطينية بزعيمها، داخل أحد المساجد الذي هدموه فوق رؤوسهم وبدم بارد. ألم يكن في هذا الموقف ما يدعو للاستنكار والتساؤل حول أمانة الموقف وعدالته في الحرص المفرط في التحارص.
كنت أتمنى أن أرى دوراً فاعلاً ومدوّياً لهؤلاء في التصدي لمن يحاولون حصارنا من داخل حصارنا الأكبر بإصدار المواقف والفتاوى التي تحرم على الناس زيارة القدس بدعوى التطبيع مع العدو برغم وجود أحاديث ونصوص تحض المسلمين على شدّ الرحال إلى بيت المقدس، ناهيك أنهم من البلاغة في القول وفصاحة اللسان ما يكفي لأن يدركوا الحقائق ما بين السطور وخلفها، وأن زيارة السجين لا يمكن لأي عقل أو منطق أن يرى فيها تطبيعاً مع السجّان.
أين هذه الأصوات من مواجهة ما نتعرض له من تقاعس وتقصير عربي ومسلم تجاه فلسطين، وفي القلب منها مدينة القدس. ففلسطين التي ظلّت عصيّة الدمع وعصيّة على المضغ وعلى أعدائها الكُثر، لن تكون مرتعاً ولا لقمة سائغة يعبث بها العابثون والرايِح والجَايْ بحجة الانتصار لها والدفاع عنها.
إن الذين يمالئون النظم والسياسات المحكومة بالجغرافيا السياسية، ومن تربّوا وترعرعوا في أحضانها، لا يمكن لهم يوماً أن يكونوا أهلاً لامتشاق مواقف أكثر وطنية وحرصاً ممن يحملون اللواء شرعاً وانتخاباً. فسياسات النفخ والتهويل والتباكي وتهبيط الحيطان تصيّداً في مياه عكرة أو آسنة، لا يمكن أن تكون في خدمة قضيتنا الوطنية وحقنا في بلادنا، بل كثيراً ما تكون بعض تلك المواقف إن بوعي أو بغير وعي خدمة مجانية للسجان المجرم لا السجين المغلوب على أمره. وكيف يمكن لمن حرّم الجهاد بالأمس معتبراً شهداءنا جيفاً، أن يتسيّد مواقف ودعوات نارية مزايدة على شعبنا ونضالاته؟! أوليس نحن أكثر من يحق لهم في هذا الكون أن نطلق صرختنا في وجوه كل هؤلاء ونقول لهم: فما أكثر الأصحاب حين تعدّهم ولكنهم في النائبات قليلُ؟! إلى متى ستبقى فتاوى الشيوخ في بلاد العُرْب حبيسة الرغبات والحسابات ومقاسات أولي الأمر والنعمة؟! كم من الفتاوى التي سمعناها على لسان علماء وفقهاء في الدين لا تخرج عن السطر الذي يحدده هذا النظام العربي أو ذاك ثم ينزلونها على رؤوسنا في فلسطين كالصواعق؟! طبعاً لأن الكثيرين منهم إن لم نقل جلّهم يرون في فلسطين الحلقة الأضعف والحيطة الواطية التي يمنحون أنفسهم الحق في استباحتها بأفكارهم ومواقفهم، التي كثيراً ما تتموضع في مربعات مشبوهة كمربع الكلام الحق الذي يراد به الباطل، وصولاً للضلالة والتضليل من جهة، والتحريض لحساب نظم وأجندات من جهة أخرى بفتح الهمزة أو ضمّها سيان. نعم، الكل يذبحنا باسم فلسطين والتباكي عليها وعلى مقدساتها، مع أنهم لا يقدمون قيد أنملة لصالح الدفاع عنها. إنه ذات العقل وذات المنطق الذي انبرى به علماؤنا في صمتهم على إسقاط مقولات ومواقف تاريخية دينية كالجهاد في سبيل اللّه من مفرداتهم.
لا يا سادتي، ما هكذا تورد الإبل ولا هكذا يُقاد القطيع. بل لا أنتم قادتنا ولا نحن القطيع. وقلنا وسنبقى لكل هذه الجوقات، ونذكّرها إن نفعت الذكرى وإن لم يكونوا فعلاً مستذكرين: إن القدس والمقدسات تنتهك يومياً وتستباح تحت سمعهم وبصرهم وهم يشهدون مأساتها عَبر شاشات التلفزة، وتلتهم الأرض من تحت أقدامنا وبيوت الفلسطينيين صباح مساء، فماذا هم فاعلون وماذا سيقدمون سوى الأقوال والخطابات الرنانة تحت ضجيج قرع الطبول الجوفاء التي لا تسمن ولا تغني من جوع، بل تلحق المزيد من الأذى والفتنة والبغي بشعبنا، وبالتالي هم مطالبون باتخاذ مواقف عملية داعمة ومؤازرة ومعزّزة لصمود شعبنا بدلاً من زجّنا بالفتن ودفعنا لحسابات المحاصصة السياسية ومنطق "خرّيبها لعّيبها" الذي استهواهم ومكّنهم من الاستمرار بمنطق سَوق الهَبَل، عالشّيطنة، دونما اعتبار حقيقي للحفاظ على مصالح شعبنا الأوسع والأعمّ والأسمى من المصالح الذاتية والفئوية الضيّقة التي اجتاحت نصف الوطن الباقي عنوة في وضح النهار وعلى رؤوس الأشهاد.
فالقضية لا تنحصر اليوم في الإقرار بأهمية سُموّ الدين وتقدّمه على السياسة، ولا على عُلوّ السياسة وتسيُّدها في المجتمعات حدّ القدسية وعبادة الفرد، مثلما كان عليه الحال في كثير من الأحزاب وحتى العلمانية منها خلال القرن المنصرم، والتي كان نتاجها تنامي حركات وأحزاب فاشية وشوفينية عنصرية متطرفة، آلت في نهاية الأمر وأفَلت لتصبح اليوم جزءاً من الماضي البغيض في ذاكرة البشرية. لكن القضية الأهمّ تكمن في مدى القدرة على الفصل والربط الديناميكي المنظّم جدلياً ما بين المسألتين على نحو يوظف في خدمة الشعوب ولصالح تكاملها وتعايشها وتطورها، من على قاعدة ثابتة وهي خدمة ومحبة الإنسان لأخيه الإنسان تحت كل الاعتبارات والظروف.
إننا ندرك بأن الدين عقيدة مقدّسة وثابتة، لكن تبقى السياسة هي فن الممكن الذي لا تحكمه المثل والقيم والعقائد الثابتة كما الدين. ولأن الدين للّه والوطن للجميع، فليس من حق أحد أن ينال من السياسة ويُزاحم أهلها بدعوات وادعاءات تكفيرية ضلالية يقدم نفسه من خلالها على أنه الوصي ومالك المُلك والحقيقة المطلقة المستمدة من دعاويه وفتاويه الباطلة. فالكل سواسية أمام اللّه والوطن والقانون.
نحن الأشدّ إيماناً بأن للدين ربّاً واحداً لا نشرك به شيئاً، لكن للسياسة أربابها ومصادرها ومبشّريها ومنذريها بل وحوارييها، فلا تفسدوا الدين بامتطائكم صهوة السياسة بالمقلوب، فذلك صونٌ للدين والتقوى وخير وأبقى للناس وأحسن قولاً وعملاً.