نفايات سامة
رايه نيوز: الذي حدث في مؤتمر معارضة المفاوضات المباشرة في قاعة البروتستانت في رام الله، الأسبوع الماضي، كان مفجعاً، محاولة إفشال المؤتمر كانت فضيحة، والأداء كان كارثة، والأسلوب كان مبتذلاً. هذه ليست دعوة للبحث عن أساليب أفضل ولكنها محاولة لوصف عقلية ما زالت حية، رغم كل التجارب والخبرة التي مررنا بها في هذه البلاد، عقلية ضيقة كان من المفترض أنها هناك خلفنا، مدفونة في أماكن آمنة تماماً مثلما يتم التخلص الآمن من نفايات سامة.
هي نفس العقلية التي أنتجت الكمائن و"مصائد المغفلين" ووزعت الكاميرات في غرف الناس، وورطت وابتزت وأفسدت.
هي نفس العقلية التي تغلق شارعاً رئيسياً في وسط المدينة، وتفرض طوقاً كاملاً على منطقة كاملة، ببيوتها ومدارسها ومحلاتها التجارية لأن مسؤولاً ما دعا أجنبياً ما للغداء في مطعم!
هي نفس العقلية التي تدعو إلى وقف برنامج تلفزيوني مثل "وطن عَ وتر"، رغم ما عليه من ملاحظات، لمجرد أنه ينتقد مظاهر في حياتنا السياسية والاجتماعية!
في هذه البلاد المحتلة التي يستطيع كل مواطن، وهو ما يحدث فعلاً، أن يقاوم بطريقته وبرغبته، الاحتلال وأن يواجهه، وأن يتظاهر ويحتج ويقاطع ويتعرض للرصاص الحي والمطاطي وقنابل الغاز والاعتقال والمنع والتوقيف...، تبدو محاولة منع هذا المواطن من قبل سلطته من الحديث عن همومه والاعتراض على سلوك قيادته أو انتقادها أمراً مثيراً للحزن.
حسن أن هناك لجنة ستتشكل للتحقيق فيما حدث، وسيكون من المفيد، حقاً، أن تتم متابعة هذه اللجنة للخروج ليس بتحميل المسؤولية لأشخاص بعينهم فقط، أو لسوء فهم، أو أي شيء آخر من هذا القبيل، ولكن لقراءة الظاهرة وتحليلها ومعالجتها جذرياً.
فالمشكلة الحقيقية تكمن في المفاهيم التي تحملها بعض قيادات الأجهزة الأمنية، وفي ثقافتها ووعيها لدورها وأين يقع المواطن في أجندتها.
إن ما نحتاجه هو بناء الثقة بين الشارع والسلطة، بين الرأي العام والأداء السياسي، والثقة هنا ليست الإجماع أو الموافقة أو الصمت، الثقة هي امكانية الاعتراض والاحتجاج ضمن معايير القانون والحق وحرية التعبير.